رمزي ميركاني
يُعد الكورد الفيليون جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب الكوردي، وغالبيتهم العظمى من المذهب الشيعي. بخصوص كلمة (فيلي)، يذهب المؤرخون إلى أنها قد تكون اسماً لعائلة متنفذة ظهرت في تلك المنطقة وحكمها 12 ملكاً بالتوالي، بدءاً من الملك الايلامي (بيلي – 2200 سنة قبل الميلاد). أما فيما يتعلق بمعاني كلمة “فيلي”، فيرى البعض أنها تعني “العاصي” أو “المتمرد” أو “الثائر” بشكل عام، كما تحمل معاني “المضحي” و”الشجاع”. تتوزع مناطق سكن الفيليين بين العراق وإيران؛ ففي إيران يتركز وجودهم في جنوب كرمانشاه وشمال دزفول على طول جبال زاغروس. أما في العراق، فيعيشون في الوسط والجنوب وفي مناطق مثل: مندلي، زرباطية، بدرة، جصان، بلدروز، السعدية، جلولاء، خانقين، ديالى، كركوك، بغداد، والعديد من المدن والبلدات الأخرى. ويُقدر عددهم ما بين مليون ونصف إلى مليوني نسمة. تاريخ الكورد الفيليين مليء بالكوارث والمآسي، حيث عانوا كثيراً بسبب الصراعات بين الدولة العثمانية والفرس. الكثير من هؤلاء الكورد (مع بعض العرب أيضاً) اختاروا التبعية أو الجنسية الإيرانية للتهرب من الخدمة العسكرية الإجبارية في صفوف الجيش العثماني. هذه الحالة تكررت في تاريخنا المعاصر إبان اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، حيث فرّ الكثير منهم إلى إيران لتجنب الخدمة العسكرية، مما جعل الفيليين في العراق يدفعون ضمناً ثمناً باهظاً. لطالما حمل الفيليون على عاتقهم العبء الثقيل لعدم الاستقرار الجغرافي بين العراق وإيران، مما أدى إلى تشتت العائلة الواحدة أو القبيلة الواحدة بين جانبي حدود الدولتين. وفي كلا البلدين، يواجهون مشاكل ومعوقات كثيرة؛ فإلى يومنا هذا يُنظر إليهم في إيران كـ “مهاجرين”، وفي العراق يُنظر إليهم كـ “فرس”. هذا الوضع غير الطبيعي جعل الفيليين محرومين من أبسط حقوقهم، مثل تولي المناصب في الدولة، أو سحب الجنسية العراقية من أعداد كبيرة منهم. يرى الكثير من المراقبين أن أحلك فترة في حياة الفيليين كانت بين عامي 1970 و1988، حيث قام النظام العراقي آنذاك باضطهادهم وتعذيبهم وارتكاب جرائم دولية بحقهم، مثل التهجير القسري وتغييب الآلاف، وكان ذنبهم الوحيد أنهم “كورد” من الناحية القومية و”شيعة” من الناحية المذهبية. يقول الباحث الفيلي كمال قيتولي حول معاناة الفيليين: “بدأت عمليات تهجير هؤلاء المواطنين في 4 ابريل/نيسان 1980، واستهلت بتجريدهم من كافة ممتلكاتهم ووثائقهم الرسمية، مثل الجنسية العراقية، هوية الأحوال المدنية، دفتر الخدمة العسكرية، إجازة السوق، هوية غرفة التجارة (للتجار)، هوية اتحاد الصناعات (لأصحاب المشاريع الصناعية)، سندات الملكية الخاصة، الشهادات المدرسية والجامعية وغيرها”. ويضيف قيتولي: “بأمر خاص من صدام حسين والقيادة العليا، صدر ذلك القرار غير الرسمي الذي اعتبر فئات معينة من المجتمع العراقي تبعاً لإيران أو من أصول إيرانية، رغم أنهم وآباءهم وأجدادهم ولدوا جميعاً في العراق. وبحسب تقديرات الصليب الأحمر الدولي، فإن إجمالي العراقيين الذين هُجروا إلى إيران بين 4 ابريل/نيسان 1980 و19مايو/ أيار 1990 وصل إلى مليون شخص”. لكن الكورد الفيليين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه المآسي، بل انخرطوا في صفوف الثورة الكوردية بقيادة ملا مصطفى بارزاني، ولعبوا دوراً بارزاً ومشهوداً في التصدي لنظام البعث من أجل نيل حقوقهم المشروعة، وبرز منهم مناضلون كبار. وهذا ما دفع نظام البعث إلى القيام بتصفية جسدية لشباب الكورد الفيليين، حيث أُعدم الكثير منهم واقتيد الكثيرون إلى السجون. ويتحدث الفيليون عن أساليب مروعة من التعذيب، ويروون قصصاً عن استخدام بعض أولئك الشباب في مختبرات خاصة لإجراء تجارب كيميائية عليهم. بعد سقوط نظام البعث في ابريل/نيسان 2003، تنفس الكورد الفيليون الصعداء كغيرهم من مكونات العراق، بل كانوا أكثر استبشاراً من الجميع لأنهم “كورد” أولاً و”شيعة” ثانياً. وكما كانت معاناتهم مزدوجة، ظنوا أن فرحتهم ستكون مزدوجة أيضاً. لكنهم لاحقاً واجهوا واقعاً لم يكن أفضل من السابق، بل كانت الصدمة أكبر هذه المرة، وتمثلت في موقف الحوزة العلمية في النجف وموقف القادة الشيعة تجاههم؛ حيث لم يتم احتضانهم وعوملوا كـ “شيعة من الدرجة الثانية” بسبب قوميتهم الكردية. كان هذا على عكس موقف الحزبين الرئيسيين في إقليم كوردستان (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني) اللذين فتحا آذرعهما لهم، ووضعا ممثلين عنهم في قائمة التحالف الكردستاني، وعاملوهم كمكون أصيل من شعب كوردستان. وفي أول انتخابات برلمانية في العراق، شارك بعض الكورد الفيليين بقائمتين منفصلتين بعيداً عن التحالف الكوردستاني (الاتحاد الإسلامي لكورد الفيليين في العراق، وتحالف العدالة والمستقبل)، لكن الأصوات التي حصلت عليها القائمتان لم تتجاوز 10 آلاف صوت، أي ثلث الأصوات المطلوبة لمقعد برلماني واحد، وذلك بسبب ذهاب بقية الأصوات لصالح التحالف الكوردستاني. طالب الفيليون الدولة بإعادة النظر في قانون الجنسية العراقية لاستعادة جنسيتهم، كما يطالبون اليوم بالتعويض عن الأراضي والممتلكات المصادرة، وتعويض عوائل الشهداء والمفقودين، والعمل على كشف مصير المغيبين، وضمان مشاركتهم في العملية السياسية وتولي مناصب عليا في الدولة. ما تبقى هو أن محاكمة صدام حسين ولّدت خيبة أمل أخرى لدى الفيليين، لأنهم شعروا أن حقوقهم هُضمت مرة أخرى؛ حيث لم يُفتح ملف خاص بالجرائم الكبرى التي ارتكبها نظام صدام بحقهم، والتي تُصنف كجرائم ضد الإنسانية، ولكن يبدو أن “الإنسانية” قد تُصاب أحياناً بالصمم والخرس، تماماً كما يواجه الكورد الفيليون اليوم.