رودوس فيلي (مصطفى بيگي)

خلفية تاريخية

إذا عدنا بالذاكرة إلى عقد الخمسينيات من التقويم الهجري الشمسي (1971–1981م تقريباً)، نجد أن محافظة إيلام الفيلية، غربي إيران، شهدت البدايات الأولى لمحاولات تحديث النشاط الثقافي الكوردي، وكان انطلاق النشاط الإذاعي في المحافظة، وما رافقه لاحقاً من برامج باللغة الكوردية، إحدى المحطات المبكرة في هذا المسار الذي امتدت تأثيراته حتى يومنا هذا.

ومن بين التجارب الرائدة في تلك المرحلة تقديم عروض تمثيلية ذات طابع فكاهي، تأثرت بالمسرح الكوميدي البغدادي، وشارك فيها الفنانان القديران عباس خطاط (گوهرسودي) وهاشم پالیزبان.

كما شهدت تلك الحقبة إنتاج أعمال موسيقية وفنية أسهمت في إرساء ملامح المشهد الثقافي الحديث، وكان من أبرز روادها صادق عليكرمي ومحمد علي قرباني وأفراد أسرة فرخ‌سرشتي.

وقد اتسعت هذه الجهود وتطورت خلال العقود التالية، ولا سيما عقدي السبعينيات والثمانينيات من التقويم الهجري الشمسي (1991–2011م تقريباً)، لتشكل امتداداً لتجربة ثقافية واجتماعية تراكمت على مدى سنوات طويلة.

وكانت هجرة بعض أبناء إيلام إلى العراق، ولا سيما بغداد، ثم إلى مناطق إقليم كوردستان لاحقاً، عاملاً مؤثراً في هذا التحول، خصوصاً أن جانباً مهماً من تلك الهجرة ارتبط بظروف سياسية.

وقد انخرط عدد من المهاجرين في النشاط السياسي الكوردي، وشاركوا في أنشطة أحزاب وتنظيمات مختلفة، بينها الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، فضلاً عن التحاق آخرين بالحزب الشيوعي العراقي.

ولم يقتصر تأثير هؤلاء على المجال السياسي، بل امتد إلى الصحافة الكوردية والعربية والأنشطة الثقافية، بما أسهم في توسيع آفاق التواصل الفكري والأدبي، وتطوير المؤسسات الثقافية ذات الصلة بالمجتمع الكوردي.

وإلى جانب ذلك، أدت إذاعة بغداد الناطقة باللغة الكوردية، رغم محدودية المشاركة المباشرة لأبناء إيلام فيها، دوراً في نشر مظاهر الثقافة الكوردية الحديثة، والمساهمة في الانتقال التدريجي من الأطر الثقافية العشائرية والريفية إلى أشكال جديدة من التعبير الفني والأدبي، تقوم على تنمية الوعي بالهوية القومية والاجتماعية.

وبالنظر إلى هجرة بعض النخب الإيلامية إلى العراق عقب إخفاق انتفاضة "رنو"، يمكن القول إن بغداد، وحتى مدينة الكوت المجاورة في محافظة واسط، شكلتا فضاءين مهمين للتفاعل مع الثقافة المدنية الحديثة، التي انتقلت بعض تأثيراتها لاحقاً إلى إيلام.

وقد تزامنت هذه التحولات مع تطور المراكز الحضرية في المنطقة، ومنها حسين‌آباد فيلي، التي أصبحت مدينة إيلام الحالية، ومنصورآباد فيلي، المعروفة اليوم بمدينة مهران، بما أسهم في تشكيل ملامح الحياة المدنية المعاصرة في المحافظة.

إن تطور الثقافة والفنون عملية تراكمية طويلة، تنتقل فيها المجتمعات من الاعتماد الواسع على الموروث الشفوي إلى توثيق نتاجها الثقافي وإنتاج النصوص المكتوبة وتطوير أشكال التعبير الفني والأدبي.

وفي ضوء ذلك، فإن استذكار الرواد الذين أسهموا في نقل الثقافة والفنون الكوردية من تقاليدها الشفوية العريقة إلى مراحل التحديث والتدوين، يمثل واجباً ثقافياً وأخلاقياً، وأقل ما يمكن تقديمه تقديراً لجهودهم وإسهاماتهم.

المرحلة الحديثة وتطور الصحافة الكوردية

مع حلول عقد الستينيات من التقويم الهجري الشمسي (1981–1991م تقريباً)، بدأت مرحلة جديدة من النشاط الثقافي والأدبي في إيلام، تميزت بتأسيس أول جمعية للشعر في المديرية العامة للثقافة والإرشاد الإسلامي بالمحافظة، وتنامي الاهتمام بالعمل الصحفي، ولا سيما الصحافة الكوردية.

وقد شكلت تلك التطورات بداية جهود أكثر تنظيماً لتطوير الثقافة والأدب الكورديين، من خلال الانتقال التدريجي إلى إنتاج النصوص المكتوبة وتوسيع مجالات النشر والتوثيق.

ومن المحطات المهمة في هذا السياق صحيفة "الشهادة" في إيلام، ومجلة "ئاوێنه" (المرآة)، التي كانت تصدر باللغتين الكوردية والفارسية في طهران، وقد تحقق هذان المشروعان بجهود الأستاذ علي حسين فيلي، وكنتُ شخصياً من المشاركين في إنجازهما.

كما أسهمت صحيفة "صبح إيلام" الأسبوعية، التي توليت رئاسة تحريرها، وصحيفة "پيك إيلام"، والصفحة الثابتة "زوان ئيمه" (لغتنا)، التي أطلقها الأستاذ كامران رحيمي، في ترسيخ الكتابة باللغة الكوردية وتوسيع حضورها في الصحافة المحلية.

واستمر هذا المسار من خلال الصفحة الأدبية "واژا" في صحيفة "نجوا" الأسبوعية، بإشراف الأستاذ عباس محمدزاده، إلى جانب إصدارات ومبادرات ثقافية أخرى.

أما مجلة "گوڵ‌سوو" الشهرية، التي كانت تصدر في بغداد عن مؤسسة شفق للثقافة والإعلام للكورد الفيليين، فقد اضطلعت بدور مهم في تطوير معايير الكتابة الكوردية، وتشجيع إنتاج النصوص الأدبية والثقافية، وإثراء النقاش بشأن اللغة وأساليب التعبير والابتكار.

ولم تكن هذه التجارب مجرد محاولات صحفية متفرقة، بل أسهمت، كل منها بطريقتها، في تشكيل بيئة ثقافية أوسع، أتاحت للغة الكوردية الانتقال من التداول الشفوي إلى فضاء الكتابة والنشر والتوثيق.

من المبادرات الثقافية إلى المطالبة بالحقوق الدستورية

إلى جانب النشاط الثقافي والأدبي، برزت المطالبات بتطبيق المادة الخامسة عشرة من الدستور الإيراني، التي تتيح استخدام اللغات المحلية والقومية في وسائل الإعلام، وتدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية.

وقد تكررت هذه المطالبات في صحيفة "صبح إيلام" الأسبوعية خلال عقد السبعينيات من التقويم الهجري الشمسي (1991–2001م تقريباً)، ولا سيما خلال المواسم الانتخابية، ثم اكتسبت زخماً إضافياً مع وصول محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997.

وفي عام 2009، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية الإيرانية، أصدرت الصحيفة عدداً خاصاً تضمن مطالب موجهة إلى المرشحين آنذاك، وهم مهدي كروبي ومحمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي، من خلال مقالات منفصلة تناولت مواقفهم وما يُنتظر منهم في هذا المجال.

وقد شكل ذلك العدد إحدى المحطات المهمة في توسيع نطاق المطالبة بتطبيق الحقوق اللغوية، ونقلها من إطار النقاش الثقافي والنخبوي إلى مستوى المطالب السياسية والاجتماعية في المحافظة.

وفي موازاة هذه الجهود الصحفية، شهدت إيلام مبادرات فردية رائدة ظلت حاضرة في الذاكرة الثقافية لأبنائها.

ومن أبرزها إعداد الأستاذ كامران رحيمي كتاباً منهجياً لتدريس اللغة الكوردية في المرحلة الابتدائية، بمبادرة شخصية، فضلاً عن إعداد نامدار جابري كتاباً لتدريس الأدب الكوردي بلهجة "كورده‌لي"، إحدى اللهجات المرتبطة بالمجموعة اللغوية الكوردية الجنوبية في المنطقة.

وقد أثارت المبادرة الأخيرة نقاشاً واسعاً في الفضاء الافتراضي، رافقته آراء وانتقادات متباينة، عكست الاهتمام المتزايد بقضايا اللغة وطرق تدريسها، وما يرتبط بها من اختلافات لهجية وثقافية.

كما أدت مجموعات وقنوات التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في تعميم هذه المطالبات، ومنها "صفحة كورد"، و"پهله باستاني" (پهله القديمة)، و"پهله نوين" (پهله الحديثة)، و"كورده‌وارى"، التي نشطت عبر تطبيقي تلغرام وفايبر، وأسهمت في توسيع دائرة النقاش بشأن الحقوق اللغوية والثقافية.

ولا يمكن إغفال الدور الذي أدته المؤسسات والمراكز الثقافية في هذا المسار، ومنها مركز "هانا" الكوردي، الذي تأسس خلال عقد الثمانينيات من التقويم الهجري الشمسي (2001–2011م تقريباً)، ومعهد "زانست زاگروس" بوصفه تجمعاً أكاديمياً، وجمعية "بيان" الأدبية، و"بيت أدب" الكوردية الجنوبية في المحافظة.

وإلى جانب هذه المؤسسات، أسهمت دور نشر مثل "زانا" و"زاگروس" في تعزيز حضور الكتاب الكوردي، وتشجيع التأليف والنشر، وتوفير مساحة أوسع أمام الإنتاج الأدبي والفكري.

لقد شكلت هذه المبادرات، على اختلاف أحجامها وأدوار القائمين عليها، قاعدة ثقافية واجتماعية ساعدت على إبقاء مطلب تدريس اللغة الكوردية حاضراً في النقاش العام، ومهدت الطريق أمام انتقاله التدريجي إلى المؤسسات الأكاديمية.

الخطوة الأكثر جدية نحو الاعتراف الأكاديمي

إن استعراض هذه المحطات التاريخية ضروري لفهم المقدمات التي أفضت إلى قبول تخصص اللغة والأدب الكورديين في جامعة إيلام، غير أن إحدى أبرز الخطوات العملية في هذا المسار تمثلت في إعداد الأستاذ كامران رحيمي مقترحاً علمياً متكاملاً، وتقديمه إلى الجامعة.

وقد أعقب ذلك قيام الدكتور علي أكبري بإحالة المقترح إلى وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيرانية، ومتابعته بصورة مستمرة، في محاولة لنقل المشروع من نطاق المبادرات الثقافية والاجتماعية إلى الإطار الأكاديمي والمؤسسي.

ومثلت هذه الجهود استكمالاً لمسار طويل من المطالبات، إذ لم تعد المسألة تقتصر على الدعوة إلى حماية اللغة الكوردية أو استخدامها في الصحافة والأنشطة الثقافية، بل أصبحت مرتبطة بتأسيس تخصص جامعي معترف به، يتيح دراسة اللغة وآدابها وفق مناهج أكاديمية منتظمة.

وجاء قبول تخصص اللغة والأدب الكورديين في جامعة إيلام، خلال العام الدراسي 2026–2027، بعد حصوله على الترخيص الرسمي، ليمنح هذه الجهود بعداً مؤسسياً جديداً، ويفتح المجال أمام إعداد جيل من الدارسين والباحثين المتخصصين في اللغة والأدب الكورديين.

وإذا كان هذا الإنجاز يمثل محطة مهمة في تاريخ الحركة الثقافية الكوردية بالمحافظة، فإن قيمته الحقيقية تكمن أيضاً في قدرته على تأسيس مسار أكاديمي مستدام، يحفظ الموروث اللغوي، ويطور أدوات البحث والتوثيق، ويشجع على إنتاج المعرفة باللغة الكوردية وعنها.

امتنان مشوب بالعتب

لا شك أن اتخاذ المسؤولين الحاليين خطوات عملية في اتجاه تفعيل الجوانب المتعلقة بالتعليم من المادة الخامسة عشرة من الدستور الإيراني، يمثل إنجازاً يستحق الامتنان والتقدير، خصوصاً أنه يأتي بعد عقود طويلة من المطالبات والجهود الثقافية المتواصلة.

لكن هذا الامتنان لا يلغي الشعور بالعتب، ولا يمنع من طرح سؤال يبدو مشروعاً بعد كل هذا الانتظار.

لماذا الآن؟

إن النظر إلى تجارب الكورد في أجزاء أخرى من المنطقة يكشف أن الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية ارتبط، في كثير من الأحيان، بتحولات سياسية عميقة وصراعات طويلة.

ففي سوريا، شهدت قضية الحقوق اللغوية الكوردية تطورات ومرّت بمراحل مختلفة ارتبطت بالتحولات السياسية والإدارية، فيما تحققت في العراق مكاسب دستورية ولغوية وثقافية بعد عقود من الصراعات والتجارب القاسية، بما فيها حملات الإبادة الجماعية والاضطهاد الثقافي.

أما في تركيا، التي تسعى منذ عقود إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فلا تزال جوانب من الحقوق اللغوية الكوردية تواجه تحديات تتعلق بنطاق الاعتراف بها وتطبيقها في المؤسسات التعليمية والعامة.

وفي إيران، يبعث الاعتراف الأكاديمي باللغة والأدب الكورديين في جامعة إيلام على التفاؤل، لكنه يثير في الوقت نفسه شعوراً بالأسف إزاء التأخر في اتخاذ هذه الخطوة.

فكم كان سيكون أفضل لو تحقق هذا الإنجاز قبل نصف قرن، أو حتى قبل قرن، عندما كان الرصيد الغني من المفردات والتعابير الكوردية، بوصفه جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي غير المادي للمحافظة، أكثر حضوراً في الحياة اليومية، ومتداولاً على نطاق أوسع بين الأجيال.

إن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء للذاكرة الجماعية، وحامل للتاريخ والعادات والتقاليد والتجارب الإنسانية المتراكمة. وكل تأخير في توثيقها وتعليمها قد يؤدي إلى فقدان جانب من ثروتها التعبيرية، ولا سيما المفردات والتراكيب المرتبطة بأنماط الحياة القديمة.

ولذلك، فإن الاحتفاء بالاعتراف الجامعي يجب ألا يحجب مسؤولية المؤسسات الثقافية والتعليمية في حماية ما تبقى من هذا الإرث، وإعادة إحياء ما يمكن استعادته منه.

أمنية للمستقبل

مع تقديري الكبير لهذا الإنجاز، فإنني أرى أن تأثير التخصصات الجامعية يبقى، في الغالب، محصوراً نسبياً في الأوساط الأكاديمية والبحثية، ما لم ترافقه خطوات أوسع تتيح للغة الوصول إلى الأجيال الجديدة.

ومن هنا، أتمنى أن يستكمل المسؤولون هذه الخطوة بمبادرة أخرى تتمثل في إدخال تعليم اللغة والأدب الكورديين إلى مدارس محافظة إيلام، ولو من خلال مشروع تجريبي يبدأ في عدد محدود من المدارس، تمهيداً لتقييم التجربة وتوسيع نطاقها.

كما آمل ألا يقتصر المشروع على دراسة اللغة والأدب الكورديين بوصفهما تخصصاً أكاديمياً، بل أن يمتد مستقبلاً إلى إتاحة التدريس باللغة الكوردية، ولا سيما بلهجتها الإيلامية، بما يجعلها وسيلة للتعليم والمعرفة، لا مجرد موضوع للدراسة والبحث.

ومن المهم هنا التمييز بين تدريس الأدب الكوردي، الذي تتيح المادة الخامسة عشرة من الدستور الإيراني تدريسه إلى جانب الفارسية، وبين اعتماد الكوردية لغة لتدريس المواد التعليمية المختلفة، وهو مطلب أوسع يحتاج إلى ترتيبات قانونية وتربوية ومؤسسية مناسبة.

وأدعو ممثلي محافظة إيلام في البرلمان الإيراني إلى العمل على توفير مخصصات مالية مستدامة، ضمن الخطط التنموية الخمسية وقوانين الموازنات السنوية، لدعم البرامج المرتبطة بتعليم اللغة والأدب الكورديين، وتطوير المؤسسات المعنية بهذا المجال.

ومن شأن هذه المخصصات أن توفر الإمكانات اللازمة لإعداد المعلمين والمدرسين، وتأهيل الكوادر المتخصصة، وتأليف الكتب والمناهج التعليمية وطباعتها بالكوردية الإيلامية، إلى جانب تشجيع البحوث اللغوية والأدبية التي تسهم في توثيق مفرداتها وخصائصها.

وفي الختام، يبقى الأمل أن يتحول الاعتراف الأكاديمي بالكوردية في جامعة إيلام من إنجاز طال انتظاره إلى بداية مسار أوسع لحماية اللغة وتطويرها وضمان انتقالها إلى الأجيال المقبلة.

فالحقوق اللغوية والثقافية لا ينبغي أن تبقى رهينة المبادرات الفردية أو الظروف السياسية المتغيرة، بل يجب أن تحظى برعاية مؤسسية مستدامة، تعكس أهميتها بوصفها جزءاً من حقوق الناس وذاكرتهم وهويتهم الثقافية.

وما دام الدستور قد أقر جوانب من هذه الحقوق، فإن الوفاء بمقتضياته ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره التزاماً قانونياً ومسؤولية ثقافية وأمانة تجاه الأجيال الحاضرة والمقبلة.