ماجد سوره ميري

تطلّ علينا في الثاني والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر ذكرى رحيل رمزٍ من رموز الفكر والأدب والنقد المقارن في العراق والعالم العربي؛ الدكتور كامل حسن البصير (1933 – 1987م).

وهي مناسبة استذكارية تستدعي الإجلال والتأمل في سيرة مفكرٍ أفنى حياته في خدمة العلم والتراث، واستطاع بصبره وعزيمته الفذة أن يتجاوز عائق كف البصر محولاً ظلام العيون إلى ضياءٍ ساطعٍ أثرى المكتبتين العربية والكردية.

أولاً: النشأة والعصامية.. بين أزقة "باب الشيخ" وعوالم المعرفة

ولد كامل حسن البصير عام 1933م في أسرة كوردية فيلية فقيرة بحي (سراج الدين) بمنطقة باب الشيخ ببغداد. وينتمي البصير إلى شريحة الكورد الفيليين، هذا المكون العراقي الأصيل الذي قدّم للوطن علماء ومبدعين وفنانين وتجاراً ساهموا في بناء النهضة العراقية الحديثة، رغم ما تعرضت له هذه الشريحة من حيفٍ وتهميش وتهجير وحرمان من حقوق المواطنة عبر حقب تاريخية متلاحقة.

لم تكن نشأة البصير سهلة؛ إذ أصيب بمرض الجدري في أولى سنوات عمره مما أدى إلى كف بصره، غير أن هذه الآفة لم تكسر عزيمته. وكما قال عن نفسه بوعي ورضا:"أنا أرى بأناملي وعقلي ولم أنتظر هبوط المعجزات أبداً.. لقد مررت بسرعة على مسألة التحرر من الانطواء على الآفة والحساسية المفرطة عبر الثقة بالنفس والكفاح وعدم الإذعان لروح الهزيمة"

تجلّت عبقريته منذ صغره، فكان الأول على مستوى العراق في الدراسة الثانوية عام 1953م، واصل مسيرته في كلية الآداب ببغداد ليتخرج متفوقاً عام 1957م، ثم ينال الماجستير عام 1966م عن رسالته "تحقيق رسائل الإمام علي (ع) - دراسة أدبية".

وتوّج مسيرته الأكاديمية بنيل درجة الدكتوراه من قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1975م.

ثانياً: مسيرة علمية ونضالية حافلة

تنوعت عطاءات الدكتور كامل حسن البصير بين التدريس، والعمل النقابي، والمناصب الأكاديمية والعلمية:

في الميدان الوطني والنقابي: ساهم في الثورة الكوردية في ستينيات القرن الماضي، وكان من المؤسسين لـ "اتحاد معلمي كوردستان" في منزله بالسليمانية عام 1962م، حيث أُنتخب أول سكرتير عام للنقابة.

في الجامعة: تولى رئاسة قسم الدراسات الكوردية وعمادة كلية الآداب بجامعة السليمانية (1973 - 1980م)، قبل أن ينتقل أستاذاً للبلاغة والنقد في الدراسات العليا بكلية الآداب بالجامعة المستنصرية ببغداد.

في المجامع العلمية: كان عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي، ومقرراً للجنة قواعد اللغة العربية ولجنة المصطلحات الإنسانية، وعضواً في الهيئة الكوردية وهيئات تحرير مجلات علمية وثقافية رصينة مثل مجلة "روشنبيرى نوى – المثقف الجديد".

ثالثاً: النتاج العلمي والمنهج النقدي (ثنائية العربية والكوردية)

ترك البصير ثروة علمية تزيد عن اربعين مؤلفاً وبحثاً رصيناً باللغتين العربية والكوردية، تميزت منهجيتها بالجمع بين المرجعية القرآنية، والتراث العربي البلاغي، والمناهج النقدية الغربية (الإغريقية والأوروبية).

المجال أبرز المؤلَّفـات الدراسات القرآنية والنقدية (بالعربية)

* القرآن الكريم ونظرية الأدب بين الإغريق والعرب (1983م)

* منهجية الأدب المقارن بين النقد الإغريقي والتراث العربي (1985م)

* بناء الصورة الفنية في البيان العربي: موازنة وتطبيق (1987م)

* الدعوة إلى الالتزام في شعرنا المعاصر بين آراء أفلاطون ومقاييس قرآنية (1977م)الجسر الثقافي والأدب المقارن

* كامران شاعر من كوردستان (1960م)

* الترابط الفني بين العرب والأكراد في قضية الإخاء والسلام (1980م)

* تطوير تعليم اللغة العربية في منطقة الحكم الذاتي (1977م)

* البلاغة والتطبيق (بالاشتراك مع د. أحمد مطلوب - 1981م)

الدراسات والنقد الأدبي (بالكوردية)

* اللغة الكوردية ومشكلة وضع المصطلحات الكوردية (1974م)

* أسس النقد والشعر الكوردي القديم (1981م)

* علم المجاز من النقد الأدبي اليوناني والروماني والعربي والأوروبي إلى الدراسات البلاغية الكوردية (1981م)

* الشاعر فائق بيكه س في ميدان الدراسات النقدية الكوردية (1985م)

رابعاً: دعوة لإحياء الذكرى والوفاء لـ "طه حسين العراق"

رحل الدكتور كامل حسن البصير مبكرا في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1987م وهو في قمة عطائه الأكاديمي. وعلى الرغم من المأثرة الفكرية العظيمة التي تركها، والتي جعلت الدارسين يلقبونه بحق "طه حسين العراق"، إلا أن يد التهميش والنسيان التي طالت أبناء شريحته من الكورد الفيليين لفت اسمه ونتاجه، فغاب عن ذائقة الأجيال الجديدة.

إن استذكار البصير في ذكرى رحيله ليس مجرد استعادة لاسم علمٍ بارز، بل هو دعوة مخلصة للمؤسسات الثقافية والأكاديمية، ولوزارتي التعليم العالي والثقافة، والمجمع العلمي العراقي، لإعادة طبع ونشر مؤلفاته الرصينة باللغتين العربية والكوردية، وتسليط الضوء على منجزه ليبقى المرجع والمعين للدارسين والباحثين، وفاء لابن بار من أبناء العراق الأوفياء.