دكتور أحمد فاتح محمد
حين أقر المشرع الدستوري العراقي في المادة الرابعة من دستور عام 2005 مبدأ التعددية اللغوية، واعتبر اللغتين العربية والكردية لغتين رسميتين للدولة، لم يكن الهدف مجرد إرساء تسوية سياسية لشكل النظام الاتحادي، بل كان المبتغى حماية التنوع الثقافي بوصفه ركيزة من ركائز الهوية الوطنية الجامعة. غير أن القراءة الدقيقة لمسارات التطبيق التشريعي، لاسيما بعد نفاذ قانون اللغات الرسمية رقم 7 لسنة 2014، تكشف عن فجوة قانونية ومؤسساتية جسيمة أفضت إلى تهميش الخصوصيات اللغوية للمكونات الفرعية الأصيلة، وفي مقدمتها اللهجة الكردية الفيلية، التي تواجه اليوم خطر الانحسار والاندثار المنهجي دون أي التفاتة تشريعية واقية.
إن الإشكال القانوني في شأن الهوية اللغوية للفيليين يتجاوز كونه قضية تراثية عابرة، ليرتبط بالمسؤولية القانونية للدولة في جبر أضرار الجرائم ذات الأثر المستمر. فقد تعرض هذا المكون، إبان جريمة التهجير القسري وإسقاط الجنسية عام 1980، إلى عملية تمزيق ديموغرافي واجتماعي مقصودة، أدت إلى بتر التواصل اللغوي الطبيعي بين الأجيال؛ إذ أجبرت عائلاتهم على الانخراط في بيئات لغوية مغايرة في المنافي، في حين اضطر الباقون في الداخل إلى إخفاء لهجتهم وسماتهم الثقافية خشية الملاحقة الأمنية. ومع ذلك، اقتصرت جهود العدالة الانتقالية بعد عام 2003 على الجوانب العقارية والوظيفية الشكلية، متناسية التزام الدولة الأخلاقي والدستوري بإعادة إحياء وتوثيق التراث اللساني المنهك كجزء أصيل من رد الاعتبار المعنوي للضحايا.
ومن جهة أخرى، كرس قانون اللغات الرسمية نمطاً مركزياً في التعاطي مع اللغة الكردية، حصرها عملياً في الأشكال التعبيرية السائدة في إقليم كردستان، متجاهلاً الامتداد الجغرافي والتاريخي للهجة الفيلية في بغداد، وواسط، وديالى، وميسان. هذا الاختزال جعل النص الدستوري، الذي يكفل في فقرته الرابعة حق العراقيين كافة في صيانة لغاتهم وتراثهم، معطلاً إجرائياً بحق المكون الفيلي؛ فلا مناهجهم الصوتية مدونة، ولا تراثهم الأدبي والشفاهي محمي مؤسساتياً، ولا توجد مراكز متخصصة في وزارة الثقافة أو المجمع العلمي العراقي تعنى بأرشفة هذا المخزون اللساني وصيانته من الذوبان أمام طغيان العولمة والتحولات الحضرية.
إن حماية اللهجة الفيلية ليست امتيازاً فئوياً يطلب، بل هي استحقاق قانوني نابع من الدستور العراقي والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق، وفي مقدمتها اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003. وهذا يفرض على مجلس النواب إعادة النظر في التشريعات الثقافية القائمة عبر تشريع ملحق بقانون اللغات الرسمية، يلزم المؤسسات الأكاديمية والتربوية بتأسيس أقسام توثيق اللهجات الوطنية، مع إدراج برامج تعليمية اختيارية في مناطق الثقل التاريخي للفيليين كخانقين وبدرة ومندلي ومناطق بغداد القديمة. إن الدولة التي تعجز عن حماية لسان أبنائها الأصلاء تفرّط طوعاً في جزء لا يتجزأ من سيادتها وذاكرتها الحضارية.