احمد جواد/ تندر في تاريخ المحن السياسية العراقية تلك المفارقات التي تقلب حياة فئة مجتمعية كاملة من قاع الإبادة والتنكيل لتضعها فجأة في قلب لعبة التوازنات الحاكمة. حكاية الكورد الفيليين تختزل المفارقة، فالجماعة التي استُبيحت دماؤها وصودرت أرزاقها على يد ازلام البعث لمجرد أنها لا تلائم مقاسات السلطة، تجد نفسها اليوم تدور في حلقة ما بين خيارين: إما أن ترضى بدور الورقة الانتخابية الموسمية لدى الفاعلين السياسيين، أو أن تفرض وزنها كحجر زاوية لا تستقيم معادلة الدولة من دونه.
ففي عقود السبعينيات والثمانينيات، لم يكن جهاز الأمن العام ولا دوائر المخابرات ينظرون للمواطن الفيلي كعراقي مشكوك بولائه وحسب، بل كخطر وجودي وجريمة تمشي على ساقين. كانت التهمة في عرف منظومة الحكم جاهزة ومحسومة؛ فهو كوردي يكسر شوكة التعريب القسري، وفي الوقت نفسه شيعي عصي على الولاء لـ "القائد الضرورة". و بهذا دفع الفيليون فاتورة الدم مرتين؛ فبجرة قلم، صدر القرار الجائر رقم 666 لسنة 1980، لتبدأ حملة اقتلاع وحشية ألقت بمئات الآلاف من العوائل خلف السواتر وحقول الألغام باتجاه الحدود الإيرانية، حفاة إلا من ملابسهم التي تستر أجسادهم، بعد تجريدهم من جنسياتهم وشطب قيودهم من سجلات النفوس ونهب محالهم وبيوتهم. والأفظع من التشريد، كانت تلك الجريمة الصامتة بحق أكثر من عشرين ألف شاب جرى احتجازهم، لتبتلعهم مقابر جماعية مجهولة وسجون نقرة السلمان واقبية الاجرام الغارقة بالدماء و الظلام و التعذيب، لتحول جثامينهم الى حقول تجارب. كان الفيلي في بغداد والكوت ومندلي وخانقين وغيرها من المدن العراقية يُعاقب على هويته المركبة، ويُعاقب بالقدر نفسه لأنه عصب السوق وحركته التجارية حيث كان لعاب المتسلطين يسيل لاغتنام اموالهم ظلما و عدواناً.
لكن سقوط النظام العفلقي البائد في نيسان 2003، بخر ألاوهام الشوفينية و فتح بارقة امل نحو عراق جديد يحيل كل المكونات الى الوان تشترك في تشكيل لوحة عراقية تستنير بالتعددية و النشاط السياسي المتحضر تحت ظل الديمقراطية، واستبشر الناس خيراً بدستور جديد ودولة مواطنة، حيث سعت جميع قوى المعارضة الى تمثيل مكوناتها المجتمعية التي انبثقت منها للجلوس على طاولة الحكم. لكن شريحة الكورد الفيليين لم تمثل تحت غطاء سياسي صريح و واضح من حركة او حزب او تيار لديه بعد ايدلوجي يستند اليهم بشكل تام، بل اصبحوا مساحة تقاطع استراتيجية تشتبك فيها خطوط النفوذ بين طرفي المعادلة الحاكمة: البيت الشيعي الممسك بالسلطة والقرار في المركز والجنوب، والبيت الكردستاني في أربيل والسليمانية.
و العجيب في الامر ان الكثير من قيادات و كوادر الاحزاب الشيعية و الكردستانية التي فرضت هذه المعادلة ذات اصول فيلية !! . لكن للانصاف فان القيادات في الإقليم، ترى بان الفيليين يشكلون امتداداً قومياً لا غبار عليه؛ اذ انهم شهداء الثورات الأوائل الذين رووا بدمائهم جبال كردستان وبساتين خانقين ومندلي. لكن على أرض الواقع، لم تتحول هذه الرؤية إلى شراكة سياسية ومؤسساتية حقيقية تثبت حضورهم في بغداد كقوة توازن قادرة على التأثير في القرار الاتحادي.
وعلى الضفة الأخرى، لا يحتاج الفيلي إلى شهادة تعريف ليثبت انتماءه لبغداد أو حواضر الجنوب؛ فهو ليس ضيفاً ولا وافداً، بل من بناتها الأصلاء. هو تاجر الشورجة الذي شيّد أعمدة الاقتصاد الشعبي، وهو ابن الصدرية وباب الشيخ، وهو الشهيد الذي ارتقى اعواد المشانق و المفكر و الناشط الذى بذل كل ما لديه لخدمة ايدلوجيا الأحزاب الوطنية والحركات الإسلامية الشيعية و تصدر صولاتها في مقارعة الديكتاتورية. ومع ذلك إلى اليوم، لا يزال آلاف الفيليين يقطعون ممرات دوائر الجنسية والنفوس ومؤسسة الشهداء بحثاً عن أوراق ثبوتية مسلوبة، أو يلاحقون قرارات هيئة نزاعات الملكية لاسترداد أملاك وعقارات غيّرت مافيات الفساد معالمها.
و في الحقل السياسي فإن حصر الوجود الفيلي في مقعد نيابي يتيم ضمن كوتا الأقليات، أو ترضيتهم بتمثيل رمزي في هذا المنصب أو ذاك، لا يمكن ان يسير بهم الى ما يليق بحجم وجودهم و اصالتهم و تضحياتهم و هو غير كاف في ظل وجود حيز لا يجيد ملؤه الا هم و لا يتناسب الا مع هويتهم القومية و المذهبية المتفردة. فالبلاد التي تتأرجح يومياً بين أزمات بغداد وأربيل حول الموازنات والنفط والمناطق المتنازع عليها، بحاجة ماسة إلى حلقة وصل تمتلك ثقة الميدانين وشرعية التاريخ والجغرافيا. فلطالما تساءلت لم لم تتجه النخبة الفيلية الى محاورة الإقليم بلسان المصير القومي، ومحاورة بغداد بمنطق الشراكة المذهبية والوطنية الخالصة التي لا تساوم على وحدة العراق !!.
إن انصاف الكورد الفيليين ليس ورقة للمجاملة أو ذكرى في بيانات الاستنكار. بل هو تجسيد حقيقي لهندسة التوازن في الدولة الاتحادية. و هنا ارى بأن واجب السياسيين الفيليين هو إطلاق يد المكون في نسج الرداء السياسي العراقي، ما سيشكل نقطة تحول في ادائهم لاسترداد كامل حقوقهم الاعتبارية والمادية بعد ان يكونوا الرقم الصعب في المعادلة و الحاجة الماسة للقوى العراقية لحلحلة الملفات العالقة و استدعاء الاستقرار و التوافق من خلال بيضة القبان الفيلية ابان مراحل من الشد و الجذب.