رمزي ميركاني

تُعد قضية الكورد الفيليين واحدة من أكثر القصص مأساوية في تاريخ العراق الحديث. فهي حكاية جماعة وجدت نفسها ضحية تداخلات السياسة والجغرافيا والانتماء المذهبي. بدأت المرحلة الأشد قسوة في الرابع من نيسان/ أبريل 1980، حين أصدر النظام السابق قراراً بتهجيرهم قسرياً. ومنذ ذلك اليوم، عاش الفيليون رحلة طويلة من الفقد والضياع ما زالت آثارها واضحة حتى الآن.

ينتمي الكورد الفيليون إلى النسيج العراقي الأصيل. هم مسلمون شيعة يتحدثون لهجة كردية خاصة، وسكنوا تاريخياً شرق دجلة وعلى امتداد جبال زاغروس، في محافظات ديالى وواسط وبغداد، خاصة في الرصافة والشورجة و"عقد الكورد" والصديرية، إضافة إلى السليمانية وحلبجة. لم يكونوا مجرد أقلية صغيرة، بل شكلوا ركناً مهماً في الاقتصاد خلال الخمسينيات والستينيات، وبرز منهم علماء وأدباء ورياضيون وسياسيون أسهموا في بناء الدولة الحديثة.

في ذروة التوتر بين العراق وإيران، اتخذت وزارة الداخلية قراراً قاسياً بتسفير من وصفتهم بـ"التبعية الإيرانية". لم يكن الإجراء قانونياً، بل كان حملة واسعة استهدفت قرابة نصف مليون إنسان. جرى اقتلاع العائلات من بيوتها دون إنذار، وصودرت ممتلكاتهم، وسُحبت وثائقهم الرسمية، ليصبح الكثيرون منهم بلا جنسية خلال ساعات.

الأكثر إيلاماً كان مصير أكثر من 22 ألف شاب فيلي كانوا يؤدون الخدمة العسكرية. عُزلوا عن عائلاتهم واقتيدوا إلى السجون، ومنها سجن أبو غريب، ثم اختفوا تماماً. وحتى بعد 2003، لم يظهر لهم أثر حتى في المقابر الجماعية، تاركين خلفهم أمهات لم تغلق جراحهن حتى اليوم.

لم يكن التهجير خطوة أمنية فقط. فقد استهدف النظام القوة الاقتصادية للفيليين الذين لعبوا دوراً محورياً في تجارة بغداد، واتُهموا بدعم الحركة التحررية الكوردية. كما أراد النظام تقديم هوية عراقية ضيقة تقصي كل ما لا يتوافق مع رؤيته السياسية والمذهبية، وهو ما عبر عنه الدكتاتور بتعبير "اجتثاث من يدنسون تربة العراق".

لاحقاً صدر القرار رقم 474 عام 1981، الذي شجع على تفريق الأزواج إذا كان أحدهم "فيلياً" أو بلا شهادة جنسية، مع منح مكافآت مالية للزوج الذي يطلق زوجته الفيلية. أدى ذلك إلى أكثر من عشرة آلاف حالة طلاق قسري، وضياع آلاف الأطفال بين أب بقي في العراق وأم رُحّلت قسراً.

عند وصول المهجرين إلى إيران، لم يجدوا المكان الذي توقعوه. عاشوا في معسكرات فقيرة مثل "إزنة"، وعانوا تهميشاً وبطالة لسنوات طويلة. كما لم تعترف الحكومة الإيرانية بجنسية عدد كبير منهم، فوجدوا أنفسهم بلا هوية هنا وهناك؛ في العراق يُعدّون "إيرانيين"، وفي إيران "غرباء بلا أوراق".

بعد سقوط النظام السابق، ظن الفيليون أن باب استعادة حقوقهم سيفتح. ورغم إلغاء القرار (666) واستعادة البعض لجنسيتهم، بقي الواقع صعباً. وقع الفيليون بين رؤيتين سياسيتين متناقضتين: الأحزاب الكوردية اعتبرتهم شريحة شيعية على بغداد الاهتمام بها، بينما عدّتهم الأحزاب الشيعية شريحة كوردية مسؤوليتها لدى أربيل. هذا التشتت أضعف حضورهم السياسي وحال دون حصولهم على تمثيل حقيقي أو مناصب مهمة، كما جعل ملف تعويض المتضررين والكشف عن المغيبين يتحرك ببطء شديد.

إن محنة الكورد الفيليين ليست حدثاً من الماضي، بل قضية إنسانية مستمرة. استعادة حقوقهم تتطلب خطوات جادة تتجاوز القرارات الشكلية، وتشمل جبر الضرر مادياً ومعنوياً، وإقرار قوانين حديثة للجنسية تحمي مبدأ المواطنة.

ورغم كل ما مروا به، أثبت الفيليون ارتباطهم العميق بالعراق. عادوا إلى المناطق التي هُجروا منها وواصلوا العمل في خدمة الاقتصاد الوطني. بقاء قضيتهم معلّقة يشكل اختباراً حقيقياً لعدالة الدولة، أما الاعتراف الكامل بحقوقهم فهو خطوة ضرورية نحو عراق يحترم التنوع ويؤمن بالمواطنة.