ماجد سوره ميري

في مثل هذا اليوم، تستحضر الذاكرة الثقافية العراقية والكوردية قامة إبداعية استثنائية نجحت في تطويع الكلمة والفن لخدمة قضايا الهوية والحرية، الا وهو الشاعر والمترجم والكتاب الكوردي البارز محمد البدري (1937 - 2006)، فلم يكن البدري مجرد شاعر يكتب النص، بل كان جسرا فكريا وثقافيا بين لغتين وأمتين، وحاملا لأوجاع شريحة أصيلة عانت التهميش والتهجير، وهم الكورد الفيليون.

تقول بطاقته التعريفية ان اسمه الكامل هو  محمد نوري جاسم البدري وولد عام 1937 في قضاء بدرة بمحافظة واسط، وتفتح وعيه على التنوع الثقافي والاجتماعي المحيط به الذي يضم الكورد والعرب من مختلف المكونات المذهبية والاجتماعية والمشارب السياسية. وانتقل إلى بغداد لإكمال مسيرته التعليمية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس من كلية الآداب بالجامعة المستنصرية عام 1977. 

وهذا التخصص الأكاديمي منح البدري عمقا إنسانيا وأفقا تحليليا تجلّى بوضوح في تناوله للشخصيات الأدبية وفي بنائه الرؤيوي للقصيدة.

وتعد التجربة الأدبية لمحمد البدري واحدة من أغنى التجارب المزدوجة في العراق؛ إذ أثرى المكتبة العربية والكوردية بأكثر من 17 مؤلفا توزعت بين المجموعات الشعرية، والدراسات النقدية، والترجمات.

ولم يكتف البدري بالكتابة بلغته الأم، بل اضطلع بمهمة تاريخية تمثلت في نقل عيون الشعر والنثر الكوردي إلى القارئ العربي، مبرزا المعاني الجمالية والقيم الإنسانية التي يحملها هذا الأدب. وفي المقابل، كان صوتا نقديا حاضرا في المحافل الوطنية والدولية، مشاركا في مؤتمرات ومهرجانات أدبية امتدت من تونس والأردن وسوريا إلى إسبانيا والاتحاد السوفيتي.

إلى جانب إنتاجه الأدبي، مارس البدري دورا فاعلا في المؤسسات الثقافية؛ إذ كان عضوا بارزا في الهيئة الإدارية لجمعية الثقافة الكوردية، وعضوا نشطا في المكتب الكوردي لاتحاد الادباء والكتاب العراقيين.

كما اتخذ من العمل الإعلامي، وتحديدا في القسم الكوردي بالإذاعة والتلفزيون ببغداد منذ منتصف السبعينيات، منبرا للتثقيف وإحياء التراث والفلكلور الكوردي. وسخّر مشاركاته الإذاعية لإعادة الاعتبار للتاريخ الثقافي وتعرية محاولات الطمس والغياب.

ظل البدري طوال مسيرته وفيا لمنبتها الأصيل؛ فقد حمل ملف الكورد الفيليين في قلمه وفكره، مناديا بحقوقهم ومجسدا معاناتهم التاريخية والتهميش الذي تعرضوا له؛ كانت قصائده وكتاباته وثيقة إنسانية تؤكد على أصالة هذه الشريحة وعمق جذورها في أرض الرافدين، مما جعل منه رمزا ثقافيا ونضاليا تعتز به الأجيال.

ورغم انقشاع عهد النظام البعثي السابق الذي ارتكب جرائم الإبادة الجماعية والتهجير القسري بحق أبناء شريحته من الكورد الفيليين، وما يمثله ذلك السقوط من أمل في التحرر واستعادة حقوق المظلومين، إلا أن الأقدار كانت تكبت للبدري فجيعة شخصية مأساوية. ففي خضم الفوضى الأمنية التي أعقبت تغيير النظام، امتدت يد الإرهاب التكفيري لتخطف وتغتال أحد أبنائه؛ هذه الصدمة القاسية والألم الجسيم أثقلا كاهل الشاعر المرهف وأسرعا في رحيله عام 2006. 

رحل البدري قبل أن يحقق أمانيه العريضة في خدمة الثقافة والأدب والقضية العراقية والكوردية والفيلية في العهد الجديد، رحل وفي قلبه وعقله حسرة لنتاجات وإبداعات كان يمكن أن تنثال من يراعه الثر وفكره النير وتجربته الطويلة الممتدة.

توفي محمد البدري في 14أيلول عام 2006، بعد حياة حافلة بالموقف والإبداع، تاركا إرثا يذكرنا دائما بأن الكلمة الصادقة هي العابرة للحدود والزمن، وأن الأدب المعطاء هو أقوى أدوات الدفاع عن الهوية والإنسان.