عباس عبد شاهين

يمثل شهر نيسان محطة إنسانية ووطنية عميقة في ذاكرة العراقيين ولا سيما أبناء الكورد الفيليين الذين يستذكرون فيه واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ العراق الحديث ففي الرابع من نيسان من كل عام يحيي الكورد الفيليون يوم الشهيد الفيلي وهو يوم يحمل دلالات الوفاء لضحايا حملات التهجير القسري والإبادة الجماعية التي تعرضوا لها خلال عقود الحكم الدكتاتوري خصوصاً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وقد كان لنا حضور مع أهلنا الكورد الفيليين في الوقفة الاستذكارية التي أقيمت في بغداد لإحياء هذه المناسبة حيث اجتمع المشاركون في شارع فلسطين عند نصب شهداء الكورد الفيليين في مشهد جسد وحدة الألم والذاكرة وقد شهدت الوقفة إيقاد الشموع وقراءة سورة الفاتحة على أرواح الشهداء في تعبير صادق عن الوفاء لتضحياتهم واستحضار لمعاناتهم التي ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

الكورد الفيليون هم جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي العراقي ويتحدثون اللهجة الفيلية وتتركز تاريخياً في بغداد وديالى وواسط إضافة إلى مناطق حدودية مع إيران وقد لعبوا دوراً اقتصادياً وثقافياً مهماً في المجتمع العراقي إلا أنهم تعرضوا لسياسات ممنهجة من الإقصاء والاضطهاد بلغت ذروتها خلال فترة النظام البائد حيث جرى إسقاط الجنسية عن مئات  الآلاف منهم وتهجيرهم قسراً إلى خارج البلاد ومصادرة ممتلكاتهم فضلاً عن اعتقال آلاف الشباب الذين لا يزال مصير الكثير منهم مغيب ومجهول حتى يومنا هذا، وتصنف هذه الانتهاكات وفق التقارير الحقوقية والقرارات الرسمية العراقية بعد عام 2003 ضمن جرائم الإبادة الجماعية لما انطوت عليه من استهداف قائم على الهوية القومية والمذهبية وقد أقر البرلمان والحكومة لاحقاً هذه الجرائم في خطوة مهمة نحو الاعتراف الرسمي بالمظلومية لكنها لا تزال غير كافية ما لم تستكمل بإجراءات العدالة الانتقالية وكشف مصير المغيبين وإنصاف الضحايا وذويهم.

في ذكرى شهر الحزن الفيلي لا يقتصر الاستذكار على استعادة الماضي بل يتعداه إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية في توثيق هذه المأساة ونقلها إلى الأجيال القادمة فالأمم التي لا تحفظ ذاكرتها تظل عرضة لتكرار مآسيها ومن هنا تبرز أهمية تحويل هذه الذكرى إلى منصة للوعي والعمل على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ومناهضة كل أشكال التمييز والإقصاء، لقد دفع الكورد الفيليون ثمناً باهظاً لمجرد انتمائهم حيث تعرضوا لشتى أنواع التعذيب والانتهاكات بدءاً من سلب الهوية مروراً بالتهجير القسري وصولاً إلى القتل والتغييب ورغم مرور سنوات طويلة لا تزال عائلات كثيرة تنتظر معرفة مصير أبنائها في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً التي تتطلب تحركاً جدياً من الدولة والمجتمع الدولي، ان استذكار شهداء الكورد الفيليين هو أقل ما يمكن تقديمه وفاءً لتضحياتهم لكنه في الوقت ذاته دعوة صريحة لمواصلة المطالبة بالحقوق المشروعة وفي مقدمتها الكشف عن المقابر الجماعية وإعادة الاعتبار للضحايا وضمان عدم تكرار هذه الجرائم كما أن تمكينهم وإشراكهم في مؤسسات الدولة بشكل عادل يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية.

في الختام تبقى ذكرى يوم الشهيد الكوردي الفيلي شاهداً حياً على معاناة لا يمكن نسيانها وعلى صمود يستحق التقدير وان إحياء هذه المناسبة ليس مجرد طقس سنوي بل هو التزام مستمر بالحقيقة والعدالة ورسالة إلى العالم بأن دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم وأن كرامة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.