علي حسين فيلي/ حين نطلّ من نافذة الذكرى السادسة والأربعين للمأساة الكبرى التي عصفت بالكورد الفيليين، نجد أنفسنا أمام استحقاق أخلاقي و وطني وسياسي يتجاوز مجرد استذكار الضحايا؛ إذ لا يمكن السماح لهذه الذكرى بأن تتحول إلى رقم بارد في أجندة المواعيد السنوية.

تاريخ الفيليين ليس مجرد سردية تراجيدية كُتبت فصولها بين مخالب التهجير القسري وحبال المشانق، بل هو وثيقة نضالية حية، وصفحة "مضمخة بالدم" في صراع وجودي لم ينتهِ بعدُ؛ صراعٌ يتمحور اليوم حول جوهر "الهوية" واستعادة "المواطنة الكاملة".

طوال العقود الماضية، حُصرت قضية الكورد الفيليين في إطار "مجالس العزاء" والخطاب العاطفي؛ وجرى التعامل معهم كشريحة سُحقت تاريخياً بين مطرقة القومية وسندان المذهب. لكن الحقيقة المرة هي أن "الصمت" كان القاتل الحقيقي لهذه القضية؛ هذا الصمت هو الذي حوّل ملفاً شائكاً يخص (حقوق الإنسان والوجود القومي) إلى مجرد معاملة إدارية يعلوها الغبار في أروقة البيروقراطية الحكومية.

اليوم، يجب أن تكون الرسالة الموجهة للضمير الوطني حاسمة: لم يعد مقبولاً بقاء الفيليين في "هامش الضحية"، ولا يمكن استمرار النظر إليهم كأزمة عالقة تنتظر حلولاً ترقيعية، بل كشريك أصيل في صياغة مستقبل البلاد ومراكز صنع القرار. لقد آن الأوان لتحرير القوانين من قيد "النصوص المعطلة" لتصبح واقعاً ملموساً؛ فالحقوقُ في العُرف السياسي لا تُنال بالاستجداء، بل تُنتزع عبر الضغط الفاعل وإثبات الوجود.

تكمن نقطة التحول الكبرى في صعود الجيلين الثالث والرابع من شباب الكورد الفيليين؛ هؤلاء الذين يمتلكون أدوات العصر من لغات حية وتقنيات رقمية، وهم الأقدر على هدم جدران الصمت. تمتلك هذه الأجيال فرصة تاريخية لتدويل ملف "الإبادة الجماعية (الجينوسايد)" في المحافل الحقوقية، ونقلها من حيز الوعود السياسية المؤجلة إلى حيز الملفات القانونية الملزمة.

إن الصمت في اللحظة الراهنة ليس خياراً بل انتحار سياسي؛ فالتاريخ لا يحابي من يكتفون بدور المتفرج على آلامهم. هذه الذكرى هي الفرصة لمواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية بلغة توثيقية صريحة، لإجبارهما على الاعتراف بأن ما حدث كان محاولة ممنهجة لاجتثاث جذور شريحة أصيلة من تربتها التاريخية.

الوطن الذي لا يمنح الاحترام الواجب للتاريخ الدامي لمكوناته، لن يذوق طعم الاستقرار. وعندما يصمت الخطاب الوطني تجاه المعاناة في (بدرة وجصان، والكوت، ومندلي، وخانقين، وزرباطية، وبغداد .. الخ)، فإنه يمنح الضوء الأخضر لتعطيل العدالة ومسح الذاكرة الجمعية.

ختاماً، لا نعتبر هذه الذكرى مناسبة للرثاء، بل تدشيناً لمرحلة جديدة من النضال القانوني لإثبات الهوية. الكورد الفيليون ليسوا مجرد جزء من هذا الوطن، بل هم "منار الصمود" وشواهد حية على حيوية الأمة الكوردية والشعب العراقي. نحن هنا، لأننا نملك جذوراً تضرب في أعماق هذه الأرض، ولن نسمح للصمت بأن ينال من كبريائنا الوطني.