شفق نيوز- كركوك

تمثل مدينة كركوك جزءاً من تاريخ يعود عمره إلى آلاف السنين، حيث تعاقبت عليها مختلف الحضارات العراقية، واجتمعت فيها منذ القدم قوميات وأعراق متعددة، كما احتضنت أدياناً ومذاهب متنوعة أضافت لهذه المحافظة تميزاً خاصاً وهوية جعلتها محط اهتمام على مر العصور.

وتُعد منطقة القورية في مدينة كركوك واحدة من أبرز المناطق الشعبية والتجارية التي تحتفظ بمكانتها التاريخية والاجتماعية داخل المدينة، فهي بالإضافة لما تمثله من هوية كركوك المتميزة، تشكل مركزاً حيوياً يقصده المواطنون يومياً للتبضع والعمل والتنقل، فضلاً عن كونها تمثل صورة مصغرة عن التنوع القومي والاجتماعي الذي تتميز به المحافظة منذ قرون طويلة.

ويُعرف سوق القورية بأنه من الأسواق الشعبية القديمة التي شهدت نشاطاً تجارياً متواصلاً على مر السنوات، حيث تنتشر فيه المحال التجارية والبسطات الشعبية التي تعرض مختلف أنواع المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية والخضروات والفواكه، إضافة إلى الورش والمهن البسيطة التي يعتمد عليها الكثير من أبناء المنطقة في تأمين لقمة العيش.

ويقول عباس قوريالي، من أهالي المنطقة، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "منطقة القورية تُعد من أكثر المناطق الشعبية والحيوية في كركوك، لما تمتلكه من أهمية اجتماعية وتجارية كبيرة"، مبيناً أن "السوق يشهد حركة دائمة ويقصده المواطنون من مختلف مناطق المدينة".

ويضيف أن "القورية ليست مجرد سوق شعبي، بل تمثل جزءاً من ذاكرة كركوك القديمة، حيث تعكس طبيعة التعايش بين المكونات المختلفة التي تسكن المنطقة منذ سنوات طويلة"، لافتاً إلى أن "الكثير من العائلات ارتبطت أعمالها ومصادر رزقها بهذا السوق".

من جانبه، يبين محمد عمر، من الأهالي أيضاً، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "السوق يُعد من المناطق المهمة اقتصادياً داخل كركوك، لأنه يوفر فرص عمل للكثير من الشباب وأصحاب المحال والباعة المتجولين".

ويشير إلى أن "البساطة والطابع الشعبي هما أكثر ما يميزان المنطقة".

بدوره، يؤكد متين جنكيز، من أهالي المنطقة، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "حي القورية يمثل شريان كركوك الحقيقي، لأنه يجمع التركمان والكورد والعرب في منطقة واحدة".

ويلفت إلى أن "المنطقة تُعرف منذ سنوات طويلة بالتعايش والتقارب الاجتماعي بين سكانها".

من جانبه، ينبه المختص في الشأن المعماري عبد الرحمن علي، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إلى أن "حي القورية يُعد من الأحياء القديمة جداً في مدينة كركوك، ويحمل طابعاً تراثياً ومعمارياً يعكس هوية المدينة وتاريخها".

ويشدد على ضرورة الحفاظ على الحي والعمل على إجراء تطويرات عمرانية مدروسة تحافظ على شكله التراثي وتلبي احتياجات السكان في الوقت نفسه.

ويضيف أن "الحي يضم منازل قديمة وأسواقاً شعبية ما تزال تحتفظ بجزء كبير من ملامح العمارة العراقية التقليدية، ومنها الشناشيل والشرفات والأزقة الضيقة".

ويشير إلى أن "هذه المناطق تحتاج إلى اهتمام أكبر من الجهات المعنية بسبب قدم البنى التحتية وكثافة الحركة السكانية والتجارية فيها".

ويوضح علي أن "حي القورية شهد قبل نحو أسبوعين حادثة انهيار سقف منزلين على ساكنيهما ما تسبب بوفاة شابة وإصابة أربعة مدنيين بجروح مختلفة"، لافتاً إلى أن "الحادثة تُعد مؤشراً واضحاً على الحاجة الملحة لإعادة تأهيل الأبنية والأسواق القديمة داخل الحي".

ويؤكد أن "الحفاظ على المناطق التراثية لا يقتصر على ترميم المباني فقط، بل يتطلب أيضاً خططاً هندسية وخدمية متكاملة تضمن سلامة السكان وتحافظ على هوية المكان التاريخية".

ويتميز السوق بحركته المستمرة منذ ساعات الصباح الأولى وحتى ساعات المساء، إذ تتداخل أصوات الباعة مع حركة المتسوقين في مشهد يعكس طبيعة الحياة الشعبية في كركوك.

كما يُعد السوق محطة رئيسية للعديد من أبناء الأحياء القريبة الذين يقصدونه بشكل يومي بسبب تنوع بضائعه وأسعاره المناسبة لمختلف شرائح المجتمع.

ويقول عضو مجلس محافظة كركوك أحمد رمزي كوبرلو، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "حي القورية يُعد واحداً من الأحياء التاريخية والتراثية المهمة في كركوك، لما يحمله من إرث اجتماعي وتجاري يعكس طبيعة المدينة وتنوعها".

ويضيف أن "مجلس محافظة كركوك يعمل على الاحتفاظ بالطراز العمراني للمباني القديمة داخل الحي، باعتبارها جزءاً من الهوية التراثية للمدينة"، مشيراً إلى أن "هناك خططاً ومشاريع خدمية يجري العمل عليها لتحسين واقع المنطقة".

ويوضح كوبرلو أن "المشاريع تشمل تطوير البنى التحتية وإكساء الطرق وتحسين الخدمات الأساسية داخل الحي والأسواق الشعبية"، مؤكداً أن "الاهتمام بالمناطق الشعبية والتاريخية يمثل جزءاً من خطط المحافظة للحفاظ على هوية كركوك العمرانية والاجتماعية".