شفق نيوز- النجف
بين جذوع النخيل التي تمتد على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية العراقية، تختبئ آفة لا تُرى بسهولة في بداياتها، لكنها قد تفتك بالنخلة من الداخل قبل أن تظهر علامات الإصابة على سطحها، إنها سوسة النخيل الحمراء، الحشرة التي انتقلت إلى العراق عبر الحدود والفسائل المصابة، قبل أن تسجل إصاباتها في أكثر من سبع محافظات وبنسب متفاوتة.
ولا تتوقف خطورة السوسة عند فقدان نخلة أو بستان، فالعراق الذي يرتبط اسمه بإنتاج التمور وثروته التاريخية من النخيل يواجه تحدياً زراعياً واقتصادياً يتطلب، بحسب مختصين، تكثيف عمليات الرصد والمكافحة ومنع انتقال الفسائل المصابة بين المحافظات.
وفي محافظة النجف، حيث تمتد زراعة النخيل على نحو 31 ألف دونم، تتحرك الفرق الزراعية بصورة مستمرة لمراقبة البساتين ونصب المصائد الهرمونية والكشف عن الإصابات ومعالجتها، في محاولة لمنع الآفة من التحول إلى بؤر واسعة الانتشار.
من صفوان إلى بساتين العراق
ويقول رئيس قسم الوقاية في مديرية زراعة النجف، أمير صاحب الحداد، لوكالة شفق نيوز، إن "سوسة النخيل الحمراء ذات أصول هندية، وتعد من الحشرات الخطرة والآفات التي يمكن وصفها بالسرطان الذي يصيب النخيل، وكانت منتشرة في عدد من الدول المجاورة".
ويشير إلى أن "دخول هذه الآفة إلى العراق بدأ عام 2019 من محافظة البصرة، وتحديداً في منطقة صفوان، ومنذ ذلك الوقت نفذت كوادر دائرة وقاية المزروعات أعمال مكافحة يومية ونشاطات مستمرة للحد من انتشارها".
لكن الآفة عادت لتسجل حضوراً في محافظات أخرى، إذ يوضح الحداد، أن "الإصابات بدأت بالظهور في عام 2025 في بعض مناطق المحافظات، وسجلت في محافظة النجف خلال شهر تموز/يوليو من العام ذاته في منطقة الحيدرية، وتحديداً في منطقة المنيثر".
ومنذ تسجيل الإصابة، باشرت كوادر قسم وقاية المزروعات، بدعم وتوجيه مباشر من دائرة وقاية المزروعات، "عمليات المسح والكشف والتحري"، بحسب الحداد.
وتكشف المعطيات التي تستند إليها فرق الوقاية الزراعية عن تسجيل الإصابة في أكثر من سبع محافظات عراقية، وبنسب متفاوتة، خصوصاً في المناطق القريبة من البؤر المصابة.
كما يتابع الحداد، قائلاً إن "الإصابة مسجلة في أكثر من سبع محافظات، وبنسب متفاوتة، ولا سيما المناطق المجاورة للمناطق المصابة".
ومن بين المناطق التي تتطلب تنسيقاً بين أكثر من محافظة، منطقة المنيثر المحاذية لمحافظات بابل وكربلاء والنجف، حيث تعمل الكوادر الزراعية بصورة مشتركة على عمليات الكشف والمراقبة والمكافحة.
لا تحتاج السوسة إلى الانتقال لمسافات بعيدة كي تهدد بستاناً جديداً، فالمشكلة الأكبر قد تكون في وسيلة تبدو في الأصل جزءاً من عملية تطوير البستان "الفسيلة".
ويؤكد الحداد أن "العامل الأساسي في عملية نقل الآفة هو الفسائل المصابة من المناطق التي سجلت فيها الإصابة".
ولهذا السبب، اتخذت الجهات الزراعية إجراءات خاصة بنقل الفسائل، من بينها إصدار شهادة صحية بعد إخضاعها لعمليات التعقيم باستخدام مبيدات متخصصة قبل نقلها من محافظة إلى أخرى أو من منطقة إلى أخرى.
ويضيف أن "عمليات التغطيس أو الرش تستمر لمدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك تصدر إجازة رسمية ضمن وقت محدد لنقل الفسائل، بهدف الحد من انتشار الآفة".
نخلة قد تبدو سليمة
المشكلة الأخطر في هذه الآفة، وفق المختصين، أن الإصابة قد تبدأ من الداخل، فيما لا تكون أعراضها واضحة في مراحلها الأولى.
ويشرح الحداد، أن السوسة "تتغذى على جذع النخلة وتدخل من المناطق الضعيفة، مثل الفسيلة أو التكريب"، مبيناً أن "عمليات التكريب الجائرة للنخيل يمكن أن توفر مناطق ضعيفة تجذب الحشرة وتساعدها على الدخول".
وبعد دخولها، تبدأ اليرقات بالتغذي داخل جذع النخلة، ما يؤدي إلى تفريغها من الداخل، وفقاً للحداد، الذي يوضح أن دورة الإصابة قد تستمر لفترة طويلة قبل أن تظهر نتائجها بصورة واضحة.
وقد تصل الإصابة في بعض الحالات إلى مرحلة تفقد فيها النخلة قدرتها على الصمود، فتتعرض للسقوط أو الموت المفاجئ.
وفي إحدى البؤر المسجلة في منطقة البو منيثم، ظهرت الإصابة في 28 نخلة، وفق رئيس قسم الوقاية في زراعة النجف.
ويؤكد الحداد، أن 25 نخلة تمت معالجتها بالطريقة العلاجية، فيما كانت ثلاث حالات متقدمة وسقطت نتيجة الرياح الشديدة، وكانت فارغة من محتواها بسبب الإصابة، مبيناً أن "الحالات التي تمت معالجتها أظهرت نتائج شفاء جيدة، والعمل مستمر من خلال المتابعة والمراقبة".
مصائد تراقب الحشرة قبل انتشارها
لا تعتمد مكافحة السوسة على معالجة الأشجار المصابة فقط، بل تبدأ من مراقبة وجود الحشرة في البساتين.
ويوضح الحداد، أن دائرة الوقاية كانت تنفذ، حتى قبل تسجيل هذه الآفة، حملات مركزية لتوزيع المصائد الفرمونية المتخصصة التي تعمل على جذب الحشرة ورصد وجودها أو انتشارها.
وبحسب أن الكوادر تواصل نصب المصائد ومتابعتها، سواء تم العثور على الحشرة أو لم يتم العثور عليها، بهدف التأكد من سلامة المناطق الزراعية، إلى جانب الاستجابة السريعة لأي بلاغ من المزارعين.
وتزداد أهمية هذا الإجراء بسبب وجود آفات أخرى يمكن أن تتشابه أعراضها مع أعراض سوسة النخيل الحمراء، إذ يوضح الحداد أن العراق سجل ستة أنواع من حفارات النخيل، وبعض أعراضها قد تكون متشابهة، ما يجعل تشخيص الإصابة من قبل المهندس الزراعي المختص أمراً أساسياً قبل اختيار طريقة المكافحة.
وعلى الرغم من أن قدرة السوسة على الانتقال الطبيعي ليست لمسافات شاسعة، فإن وجودها بأعداد كبيرة داخل جذع النخلة يزيد من احتمالات انتشارها.
كما يقول الحداد إن السوسة “تنتقل لمسافات قليلة، تتراوح بين 500 متر وكيلومتر واحد في الظروف المثالية”، مشيراً إلى أن الظروف الجوية والرياح يمكن أن تساعد على انتقالها.
لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما تتراكم أعداد الحشرة داخل جذع النخلة، وتتحول اليرقات إلى حشرات بالغة قادرة على الطيران والانتشار.
ويتحدث أيضاً، أن اليرقة تظهر على شكل "دودة بيضاء ذات رأس أسود"، مبيناً أن اكتشافها في وقت مبكر والتعامل معها وفق بروتوكول المكافحة المعتمد يمكن أن يوقف دورة حياتها قبل وصولها إلى مرحلة البلوغ، وأن الكشف المبكر والمعالجة المبكرة يحدان من انتشارها، وهذا مثبت لدينا وقد أعطى نتائج جيدة.
وتملك السوسة القدرة على إنتاج عدة أجيال عند توفر الظروف المناسبة، إذ يشير الحداد إلى تسجيل “أكثر من خمسة إلى ستة أجيال”، ما يعني أن تأخر اكتشاف الإصابة قد يسمح بتضاعف أعدادها داخل النخلة وانتقالها لاحقاً إلى أشجار أخرى.
وبينما تواصل فرق الوقاية الزراعية في النجف عمليات المسح والكشف ونصب المصائد والمعالجة المجانية للحالات المسجلة، تبدو المعركة مع سوسة النخيل الحمراء أكبر من حدود محافظة واحدة، في ظل تسجيلها في أكثر من سبع محافظات.
ومع امتلاك العراق مساحات واسعة من بساتين النخيل وارتباط التمور بمكانته الزراعية والاقتصادية، فإن السيطرة على الآفة لا تعتمد على معالجة النخلة المصابة فقط، وإنما تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من منع انتقال الفسائل المصابة، وتشديد الفحص والمراقبة، وتوعية المزارعين، وسرعة الإبلاغ، والكشف المبكر، وصولاً إلى المعالجة والإتلاف الآمن للحالات المتقدمة و كذلك الاجراءات الوقائية.
وفي النجف، التي تضم نحو 31 ألف دونم من النخيل، تبدو المصائد المنتشرة بين البساتين بمثابة إنذار مبكر؛ فكل حشرة يتم رصدها قد تعني اكتشاف خطر قبل أن يتحول إلى بؤرة، وكل يوم تأخير في اكتشاف الإصابة قد يمنح السوسة فرصة جديدة للتكاثر والانتشار.