شفق نيوز- صلاح الدين

"قصر البنت" والذي يعد أحد أبرز المعالم التاريخية والشعبية في مدينة تكريت، ما يزال يثير جدلاً واسعاً بين الباحثين والمهتمين بالآثار وسكان المنطقة، بسبب تضارب الروايات حول تأريخه الحقيقي وأصل تسميته، وسط غياب توثيق أثري علمي يحسم الحقبة الزمنية التي يعود إليها الموقع.

يقع القصر قرب منطقة الزوية داخل المدينة القديمة المطلة على نهر دجلة، ضمن نطاق جغرافي يُعتقد أنه شهد تعاقب حضارات متعددة عبر قرون طويلة، ما جعله جزءاً من الذاكرة الشعبية لسكان تكريت ومصدراً للعديد من الروايات المتوارثة.

روايات شعبية متباينة

وتتعدد الحكايات المتداولة بشأن تسمية "قصر البنت"، إذ يروي بعض الأهالي، أن القصر كان يعود لابنة أحد الحكام القدماء، عاشت فيه قبل أن تلقى حتفها خلال اضطرابات أو غزو شهدته المنطقة، ليُطلق السكان اسمها على الموقع تخليداً لذكراها.

في المقابل، تربط روايات أخرى الاسم بقصص ذات طابع أسطوري تتحدث عن أحداث مرتبطة بالصراع أو الحماية أو الرفض الاجتماعي، من دون وجود رواية تأريخية موثقة يمكن اعتمادها بشكل قاطع.

وخلال السنوات الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي روايات تربط الموقع بحضارات قديمة جداً، بعضها ينسبه إلى العصور السومرية أو الكلدانية، إلا أن هذه الروايات تفتقر إلى الأدلة العلمية والآثارية الدقيقة، وغالباً ما تبقى ضمن إطار التداول الشعبي غير الموثق.

بين الذاكرة والإهمال

ويشير سكان محليون إلى أن "قصر البنت" ورغم قيمته الرمزية، يعاني من إهمال واضح وتراجع في الاهتمام الرسمي، في وقت تؤكد فيه زيارات ميدانية أن الموقع لم يخضع لعمليات تنقيب علمية منظمة حديثة يمكن أن تكشف طبقاته التاريخية بشكل دقيق.

كما يرى مهتمون بالشأن التراثي، أن الموقع يمكن أن يشكل نقطة جذب سياحي مهمة في حال إعادة تأهيله وربطه بمسارات سياحية داخل مدينة تكريت، خاصة أنه يقع على ضفاف دجلة، ما يمنحه قيمة جغرافية وجمالية إضافية.

الموقع بحاجة إلى دراسة علمية

وفي هذا الصدد يؤكد المغامر والباحث الميداني أحمد سلطان أحمد، أن "قصر البنت" في تكريت من المواقع التي تستحق اهتماماً ميدانياً جاداً، لأنه يحمل طبقات تاريخية غير مدروسة بشكل كافٍ، وهناك خلط واضح بين الرواية الشعبية والواقع الأثري.

ويقول أحمد في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "الموقع يحتاج إلى مسح جيولوجي وآثاري حديث، لأن بعض المؤشرات الميدانية توحي بوجود بقايا إنشائية قديمة، لكن لا يمكن الجزم بطبيعتها من دون حفريات منظمة"، مشيراً إلى أن "الاعتماد على الروايات الشفوية وحدها لا يكفي لفهم تاريخ المكان".

تصريح مغاير

من جانبه، يشدد المختص بالآثار جليل الجبوري، على أن ما يُتداول حول ربط "قصر البنت" بحضارات تمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد لا يستند إلى أي دليل علمي مثبت حتى الآن.

ويقول الجبوري في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "محافظة صلاح الدين تضم مواقع تاريخية مهمة، إلا أن أغلبها يعود إلى فترات إسلامية أو متأخرة نسبياً مقارنة بالحضارات السومرية والبابلية التي تركزت في جنوب العراق".

ويوضح، أن "إطلاق تسميات ذات طابع أسطوري على المواقع الأثرية أمر شائع في العراق، لكنه يحتاج دائماً إلى فصل علمي دقيق بين الموروث الشعبي والحقائق الأثرية".

ويؤكد الجبوري، أن "أي تقييم علمي للموقع يجب أن يتم عبر بعثات تنقيب رسمية".

أهمية تاريخية 

من جانبه، يشير مصدر في دائرة آثار وتراث صلاح الدين، إلى ان "قصر البنت" يُعد من المواقع التراثية ذات الأهمية التاريخية في مدينة تكريت، لما يحمله من قيمة رمزية وارتباط بالذاكرة الشعبية للمنطقة.

ويؤكد المصدر لوكالة شفق نيوز، أن "الموقع حتى الآن لم يشهد أي أعمال تنقيب أثرية منظمة، ولم يتم إدراجه ضمن مشاريع الحفر أو الدراسات الميدانية الحديثة".

ويشير إلى أن "أي أعمال مستقبلية تتطلب تخصيصات مالية وخططاً علمية دقيقة بالتنسيق مع الهيئة العامة للآثار والتراث".

ويضيف المصدر، أن "الاهتمام بالموقع حالياً يقتصر على التوثيق والمتابعة الميدانية العامة، إلى حين توفر الظروف المناسبة لإجراء دراسات أو تنقيبات علمية شاملة قد تكشف عن طبقاته التاريخية بشكل أدق".

شهادة من الأهالي

وفي السياق ذاته، يقول أحد أهالي منطقة الزوية ويدعى عمر سعدون، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "قصر البنت" كان يُنظر إليه منذ زمن بعيد كموقع غامض، وكنا نسمع من كبار السن قصصاً مختلفة عنه، بعضها يتحدث عن ابنة حاكم، وأخرى عن أحداث قديمة لا نعرف مدى صحتها.

ويضيف سعدون، أن "الموقع ما يزال يحتفظ بقيمة معنوية لدى سكان المنطقة، وكثير من الناس يزورونه بدافع الفضول أو ارتباطه بذاكرة المدينة".

ويشير إلى أن الإهمال والتغيرات العمرانية أثرت على معالمه بشكل واضح خلال السنوات الماضية".

فرصة سياحية واقتصادية

وفي قراءة أكاديمية أوسع، يؤكد الخبير والأكاديمي حسن العزاوي، أن منطقة تكريت بشكل عام تمتلك تنوعاً تاريخياً وجغرافياً فريداً، يجمع بين الإرث الحضاري والطبيعة النهرية الممتدة على ضفاف دجلة، وهو ما يجعلها منطقة واعدة سياحياً إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح.

ويقول العزاوي في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "قصر البنت ليس مجرد موقع أثري غامض، بل يمكن أن يكون جزءاً من منظومة سياحية وثقافية متكاملة في المدينة".

ويلفت إلى أن "المنطقة سبق أن استقبلت آلاف الوفود الأجنبية والباحثين خلال مراحل مختلفة، ما يدل على وجود اهتمام دولي نسبي بتراثها وتاريخها".

ويشدد العزاوي، على أن الموقع بحال تطويره وتأهيله وربطه بمسارات سياحية منظمة، يمكن أن يتحول إلى معلم حضاري مهم يسهم في تعزيز الدخل السياحي والعائد الاقتصادي للعراق، إلى جانب دوره في إبراز الهوية التاريخية لمحافظة صلاح الدين".

بين التاريخ والأسطورة

ويرى مختصون أن "قصر البنت" يمثل نموذجاً واضحاً لتداخل التاريخ الشفهي مع الروايات غير الموثقة في العراق، حيث تتحول المواقع القديمة مع مرور الزمن إلى مساحات تُنسج حولها الأساطير، خاصة في ظل غياب التنقيب العلمي المنهجي.

ويؤكد باحثون في تاريخ المنطقة، أن كثيراً من المواقع الأثرية في تكريت لم تخضع بعد لدراسات كافية، ما يفتح الباب أمام انتشار روايات متعددة يصعب التحقق من دقتها.

كما يشيرون إلى أن المواقع المطلة على نهر دجلة شهدت غالباً استيطاناً بشرياً متكرراً عبر العصور، إلا أن تحديد الفترات الزمنية بدقة يتطلب أدلة مادية واضحة، مثل اللقى الأثرية والنقوش والطبقات العمرانية الموثقة.

دعوات للتنقيب وحماية الموقع

ويشدد خبراء آثار على ضرورة إدراج "قصر البنت" ضمن خطط المسح والتنقيب العلمي في محافظة صلاح الدين، من أجل تحديد طبيعته التاريخية وفهم دوره المحتمل في السياق الحضاري للمنطقة.

كما يؤكد الخبراء، أن استخدام تقنيات حديثة، مثل التصوير الجوي والمسح الجيوفيزيائي، قد يساعد في كشف بنية الموقع من دون الحاجة إلى تنقيب عشوائي، بما يساهم في الحفاظ عليه من التلف أو التدمير.

ويبقى "قصر البنت" واحداً من أكثر المواقع الغامضة في تكريت، جامعاً بين التاريخ والأسطورة والروايات الشعبية، بانتظار حسم علمي يكشف حقيقته ويضع نهاية للتساؤلات التي أحاطت به لعقود طويلة، مع إمكانية أن يتحول مستقبلاً إلى واحد من أبرز المعالم التراثية في شمال العراق إذا ما حظي بالاهتمام الكافي.