شفق نيوز- كركوك

تجلس الحاجة رفعة أحمد إبراهيم، منذ ست سنوات، على السرير المخصص لها في مركز الأمل لغسيل الكلى، حيث اعتادت الحضور وفق جدول ثابت بثلاث جلسات أسبوعياً، تمتد كل واحدة منها أربع ساعات.

يبدأ الفريق الطبي بمدّ الإبر عبر الوصلة الشريانية لنقل الدم من جسد المرأة المسنة إلى جهاز غسيل الكلى، ليقوم الجهاز بتنقية الدم من السموم والمواد الضارة التي لم تعد كليتاها قادرتين على طرحها خارج الجسم، فيحلّ الجهاز محل الكلية بوظائفها الحيوية، إلا أن كل ذلك لم ينفعها لتفارق الحياة.

وتقول ابنتها ومرافقتها أسماء حسين، لوكالة شفق نيوز، إن المركز يُعد من المراكز الصحية المهمة في محافظة كركوك، مشيرةً إلى أن والدتها واظبت طوال ست سنوات على تلقي العلاج فيه، بواقع ثلاث جلسات أسبوعياً أيام السبت والاثنين والأربعاء، تحت إشراف الكوادر الطبية التابعة إلى دائرة صحة كركوك، لكن هذه الجهود لم تثمر شيئاً.

وتضيف حسين، أن متابعة حالة والدتها لم تكن مسؤوليتها وحدها، بل كانت تتم بالتعاون مع شقيقاتها أيضاً، حيث كنّ يتناوبن على مرافقتها ومراقبة وضعها الصحي، مؤكدةً أن الترابط الأسري خفف كثيراً من معاناة والدتهن خلال رحلة المرض الطويلة. 

وتابعت: "كانت والدتي كل شيء في حياتي، وكنا جميعاً نرافقها ونتابع حالتها بشكل مستمر، ولم تكن مجرد مريضة بالنسبة لنا، بل كانت مصدر قوتنا ودعمنا"، مبينةً أن "فقدانها ترك فراغاً كبيراً بعد سنوات من التعايش اليومي مع رحلة المرض والعلاج".

أرقام وإحصائيات

وفي السياق ذاته، يقول معاون مدير المركز، مهدي محمود مردان، إن مركز الأمل لغسيل الكلى يُعد واحداً من المراكز المهمة في كركوك وشمال البلاد، ويقدم خدماته للمصابين بأمراض الكلى والفشل الكلوي، لافتاً إلى أن أسباب الإصابة غالباً ما ترتبط بعوامل وراثية أو النزيف الشديد أو الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، فضلاً عن الإفراط في استخدام بعض الأدوية والمسكنات.

ويشير مردان، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن المركز يضم حالياً 463 مريضاً مسجلاً يتلقون العلاج على مدار 24 ساعة، وأن الدوام الرسمي يبدأ في الساعة السابعة والنصف صباحاً، فيما يبدأ تشغيل الأجهزة واستقبال المرضى عند الساعة الثامنة.

وأوضح أن المركز يحتوي على 63 جهازاً لغسيل الكلى، وهو أقل من نصف الحاجة الفعلية، إذ يحتاج المركز إلى نحو 150 جهازاً لتغطية أعداد المرضى المتزايدة، مشيراً إلى أن المركز أجرى خلال العام الماضي أكثر من 61 ألف عملية غسيل كلى.

وبحسب حديثه فإن المركز يضم جناح عزل خاصاً داخل المبنى، يتلقى فيه العلاج حالياً مريض واحد مصاب بفيروس نقص المناعة "الإيدز"، مؤكداً أن العزل التام يحمي بقية المرضى، وأن المركز سجل خلال العام الماضي نحو 45 حالة وفاة وانقطاع عن العلاج، فيما توقف آخرون عن المراجعة بعد تحسن حالتهم الصحية.

وتتفق الدراسات الدولية مع هذه الأرقام المحلية، إذ كشف فريق بحثي أن عدد البالغين المصابين بأمراض الكلى المزمنة حول العالم تضاعف منذ عام 1990 ليصل إلى نحو 788 مليون شخص، لتصبح هذه الأمراض تاسع سبب رئيسي للوفاة عالمياً، وفقاً للمركز الطبي في جامعة نيويورك.

وأوضح البروفيسور جوزيف كوريش أن أمراض الكلى المزمنة تمثل أحد أكثر التهديدات الصحية انتشاراً وخطورة على صحة الإنسان، وأن شدتها تتزايد باستمرار، مشيراً إلى أن نحو 14% من البالغين في العالم يعانون حالياً من هذه الأمراض، وأن عدد الوفيات السنوية المرتبطة بها ارتفع إلى 1.5 مليون وفاة، لتصبح ضمن أبرز أسباب الوفاة على مستوى العالم.

ويرى سعدون عباس، أحد المختصين المحليين بأمراض الكلى، أن تضاعف أعداد المرضى عالمياً يتطابق مع الواقع في العراق، وأن الانتشار السريع لمرض السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم يعد من أبرز أسباب الزيادة في الإصابات.

ويؤكد عباس لوكالة شفق نيوز أن التشخيص المبكر والمتابعة الدورية يمكن أن تقلل بشكل كبير من تطور المرض والوصول إلى مرحلة الغسيل الكلوي، مشدداً على أهمية الالتزام بالعلاج ونمط الحياة الصحي، وتطوير برامج التوعية الصحية للوقاية من أمراض الكلى.

وتعكس هذه الشهادات واقعاً إنسانياً وصحياً يعيشه مرضى الفشل الكلوي وعائلاتهم، حيث تتحول جلسات الغسيل إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، يرافقها أمل مستمر بتحسن الحالة الصحية، مقابل تحديات كبيرة تواجه المراكز الصحية في توفير الأجهزة والكوادر اللازمة لتغطية الأعداد المتزايدة من المرضى.