شفق نيوز - بغداد
كشف مصدر مطلع، اليوم السبت، عن عدم صرف رواتب موظفي التمويل المركزي في وزارات ومؤسسات الدولة حتى اللحظة، عازياً السبب في ذلك إلى نقص السيولة المالية، وشحة النقد لدى المصارف الحكومية، ولا سيما مصرفا الرافدين والرشيد.
وأوضح المصدر في حديث لوكالة شفق نيوز، أن "تأخر الصرف يأتي رغم دخول الأيام الأخيرة من شهر شباط/فبراير الجاري" ، مشيراً إلى أن "الإجراءات المالية لم تُستكمل بسبب محدودية النقد المتوفر في المصارف الحكومية الأمر الذي انعكس سلباً على موعد إطلاق الرواتب" .
وأضاف أن "رواتب موظفي الدولة ستتأخر لنحو 20 يوماً خلال الشهر الجاري نتيجة استمرار أزمة السيولة"، لافتاً إلى أن" الجهات المعنية تعمل على معالجة الأزمة وتأمين المبالغ اللازمة لإطلاق الرواتب في أقرب وقت ممكن".
كما أشار المصدر إلى" وجود حراك نيابي لاستضافة محافظ البنك المركزي العراقي ومديري المصارف الحكومية وتحديدا مصرفي الرافدين والرشيد داخل مجلس النواب لمناقشة تداعيات الأزمة المالية المتفاقمة في البلاد، وشحة السيولة النقدية وارتفاع أسعار صرف الدولار إلى جانب تأخر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين".
في غضون ذلك أكد اعضاء في مجلس النواب العراقي، أن المرحلة الحالية تتطلب كشفاً واضحاً للحقائق أمام الرأي العام ولاسيما ما يتعلق بسحب أكثر من 28 تريليون دينار من المصارف الحكومية"، متسائلين عما إذا كانت تلك السحوبات قد جرت بموافقات رسمية؟، وأين ذهبت تلك الأموال في ظل وجود مؤشرات على هدر المال العام وشبهات فساد إداري ومالي؟.
وذكروا أن أداء المصارف الحكومية ما يزال دون المستوى المطلوب في ظل استمرار اعتمادها على الأساليب الورقية التقليدية، وعدم مواكبة الأنظمة المصرفية الإلكترونية الحديثة الأمر الذي انعكس سلباً على كفاءة العمل وسرعة إنجاز المعاملات فضلاً عن ضعف الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما شدد النواب، على ضرورة إعادة تقييم عمل مديري المصارف الحكومية وفقاً لمستوى أدائهم، ومراجعة السياسات الائتمانية المعتمدة، متسائلين عن أسباب غياب خطة ائتمانية واضحة تسهم في تعزيز إيرادات الدولة، ودعم الموازنة العامة بدلاً من استمرار الاعتماد على موارد محدودة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
وكانت مصادر مطلعة قد كشفت، في منتصف شهر شباط/ فبراير الجاري، عن تفاقم أزمة السيولة المالية في البلاد، مؤكدة أن الموارد المتاحة لم تعد كافية لتأمين صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين خلال الفترة المقبلة.
وأفادت المصادر، التي تحدثت في حينها لوكالة شفق نيوز، بأن الحكومة اضطرت إلى سحب نحو 20 تريليون دينار من مصرف الرافدين، إضافة إلى ما بين 7 و 8 تريليونات دينار من مصرف الرشيد، فضلاً عن سحب نحو 7 مليارات دولار من مصرف آخر إلى جانب مبالغ مالية من المصارف الصناعية والزراعية، لأجل تغطية الرواتب خلال الأشهر الماضية.
وأوضحت أن هذه الإجراءات أدت إلى استنزاف جزء كبير من السيولة المتوفرة في المصارف الحكومية ما يجعل خيار تأخير صرف رواتب الموظفين مطروحاً بقوة خلال المرحلة المقبلة في حال عدم إيجاد حلول مالية عاجلة لاحتواء الأزمة.
وأشارت إلى أن استمرار هذه الأوضاع قد يفاقم من حدة الأزمة المالية لا سيما مع وجود ملاحظات تتعلق بسوء الإدارة وهدر المال العام وشبهات في بعض الملفات، ما يستدعي اتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة لضمان الاستقرار المالي وتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين في مواعيدها المحددة.
من جهة أخرى لفت برلمانيون إلى أن "الكتلة النقدية المكتنزة لدى المواطنين في المنازل تُقدَّر بنحو 80 تريليون دينار"، معتبرين أن "هذا الرقم يمثل تحدياً وفرصة في آن واحد، ويتطلب وضع سياسات مالية ومصرفية فاعلة من قبل البنك المركزي وإدارات المصارف الحكومية لاستعادة ثقة المواطنين وتشجيعهم على إيداع أموالهم داخل النظام المصرفي".
وأكدوا أن "الملف الاقتصادي يمثل تحدياً كبيراً أمام السلطتين التنفيذية والتشريعية"، مشيرين إلى أنه "بعد تشكيل اللجان المتخصصة ستتم استضافة المسؤولين المعنيين، وفتح حوارات موسعة، إلى جانب متابعة الأسئلة البرلمانية الموجهة إلى محافظ البنك المركزي بشأن الأزمة المالية للوصول إلى حلول عملية تسهم في معالجة الاختلالات الحالية وتعزيز الاستقرار المالي في البلاد".
وفي سياق متصل أثار مراقبون تساؤلات بشأن عقد تأسيس مصرف الرافدين الجديد، وعدم الكشف عن تفاصيله بشكل شفاف، وما إذا كان ذلك يمهد لخصخصة المصارف الحكومية أو استثمارها من قبل القطاع الخاص"، مؤكدين ضرورة توضيح طبيعة العقد وضمان عدم المساس بأصول الدولة.
وأقرت وزارة المالية العراقية في العام 2021 حزمة من الإجراءات الاصلاحية المتعلقة بإعادة هيكلة مصرف الرافدين، بحسب متبنيات "الورقة البيضاء" الخاصة بالإصلاح الاقتصادي في البلاد.
وأكدت شركة "إرنست ويونغ" للخدمات المهنية، في نهاية العام 2024، ان اعادة هيكلة مصرف الرافدين وصلت إلى 74%، وقال فراس كيلاني، الخبير في مشروع الهيكلة من الشركة البريطانية إن "مشروع هيكلة المصرف تقدم بشكل كبير جداً منذ بدئه في أيلول من العام 2024".
كما واعلن رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، في مطلع العام 2025، وصول المشروع الخاص باعادة هيكلة مصرف الرافدين، إلى مراحله النهائية.
وتأسس مصرف الرافدين بموجب القانون رقم (33) لسنة 1941 وباشر أعماله في 19/ 5/ 1941 برأس مال مدفوع قدره (50) خمسون الف دينار ويمتلك عدد فروع المصرف حالياً (164) فرعاً داخل العراق إضافة الى (7) فروع في الخارج وهي: القاهرة، بيروت، أبو ظبي، البحرين، صنعاء، عمان، جبل عمان.
وكشف مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، في مطلع العام 2026، ان مصرف الرافدين الجديد سيمتلك رؤوس أموال عالية الكفاءة، مع إمكانية إدخال شريك مصرفي استراتيجي دولي فيه.
وقال مظهر في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "الدراسة التي أعدّتها إحدى الشركات المالية الكبرى المتخصصة في الإصلاح المصرفي والمالي لاتذهب الى خيار خصخصة مصرف الرافدين قبل الشروع في إصلاحه البنيوي عبر الاختصاص المؤسسي".
وأوضح، ان "هذه الدراسة تقترح إعادة تعريف مصرف الرافدين بوصفه المصرف السيادي للحكومة، بحيث يقتصر دوره على إدارة العمليات المالية الحكومية، وفي مقدمتها إدارة حساب الخزينة الموحد، وما يتصل به من ترابط تشغيلي مع أكثر من ألف وحدة صرف وإنفاق حكومية".
كما واشار صالح الى أنه "يناط بهذا المصرف السيادي الارتباط العضوي بمركز التمويل والسياسة في السلطة المالية، بما يضمن تنظيم مالية الدولة عبر تنسيق دقيق بين الإيرادات والنفقات، وربط ذلك بـ الموازنة النقدية (ميزانية التدفقات النقدية للحكومة)، بهدف تحقيق أعلى درجات الكفاءة في الإدارة المالية، والانضباط، والحوكمة، والشفافية".
وأضاف المستشار المالي الحكومي أن "الدراسة تقترح إنشاء مصرف آخر يحمل اسم (الرافدين – واحد)، يعمل كشركة مساهمة مختلطة بين القطاعين العام والخاص، ويتبع أسس السوق المصرفية الحديثة".
"ويُفترض أن يتمتع هذا المصرف برؤوس أموال عالية الكفاءة، وأن يعمل وفق مقررات بازل (3)، بما يعزز متانة النظام المصرفي، ويُعمّق السوق المصرفية الوطنية"، وفقا لصالح.
ونبّه إلى أن "نموذج أعمال هذا المصرف يرتكز على مستويات امتثال عالية ومخاطر منخفضة، وينصرف نشاطه الأساسي إلى منح الائتمان المصرفي للأشخاص الطبيعيين والمعنويين، وفق أحدث ممارسات الصيرفة الحديثة، مع توظيف تكنولوجيا المعلومات المالية المتقدمة (FinTech) بما يحقق الشمول المالي الرقمي، ويسهم في دمج السوق المصرفية الوطنية وتحويلها إلى قوة موحدة وفاعلة".
وخلص صالح بالقول، إن "مصرف (الرافدين – واحد) يتولى ممارسة تمويل التجارة الخارجية، مع إمكانية إدخال شريك مصرفي استراتيجي دولي، بما يرفع من قدراته التشغيلية والتقنية، ويرتقي به تدريجيًا إلى مصاف المصارف الإقليمية ذات التصنيف الائتماني المرتفع، ويجعل منه رافعة حقيقية لتحديث القطاع المصرفي العراقي ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة".