شفق نيوز- كركوك

مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، تتجه أنظار المئات من أهالي كركوك وزائريها إلى تكية نجيب داخل قلعة كركوك التاريخية، حيث تُحفظ شعرة منسوبة إلى النبي محمد، في تقليد ديني واجتماعي توارثته أسرة التكية جيلاً بعد آخر.

وتقع تكية نجيب في أطراف قلعة كركوك، وتعد من أقدم التكايا الدينية في المدينة، إذ يعود تاريخ إنشائها إلى العهد العثماني، وما تزال تؤدي دورها الديني والاجتماعي حتى اليوم، فيما يرتبط اسمها بحفظ شعرة نبوية، حيث تقول الأسرة المشرفة عليها إنها وصلت إلى كركوك من تركيا خلال الحقبة العثمانية، وظلت محفوظة بعناية حتى الوقت الحاضر.

ويتولى خدمة الشعرة النبوية حالياً فكرت نجيب، الذي ورث هذه المهمة عن آبائه وأجداده، حيث تُحفظ داخل حافظة خاصة ولا تُعرض إلا في المناسبات الدينية، وفي مقدمتها ذكرى المولد النبوي، عندما تستقبل التكية الزائرين من مختلف مناطق كركوك ومحافظات أخرى.

وقال راعي الشعرة النبوية وخادمها فكرت نجيب، لوكالة شفق نيوز، إن "هذه الشعرة محفوظة لدى أسرته منذ أجيال، وقد تناقل الأجداد مهمة رعايتها وخدمتها والمحافظة عليها، باعتبارها أثراً منسوباً إلى النبي".

وأضاف أن "الرواية التي توارثتها الأسرة تؤكد أن الشعرة وصلت إلى كركوك من الأراضي التركية خلال العهد العثماني، وبقيت محفوظة في التكية داخل قلعة كركوك، حيث حرصت الأسرة على صيانتها وعدم تعريضها لأي ضرر".

وأوضح نجيب، أن "الشعرة تُعرض للزائرين في المناسبات الدينية، ولا سيما ذكرى المولد النبوي، إذ يتوافد أبناء كركوك من مختلف المناطق إلى التكية لزيارتها، وسط أجواء روحانية وإيمانية"، مشيراً إلى أن "خدمة الشعرة ليست مسؤولية شخصية، وإنما أمانة ورثناها عن الآباء والأجداد، ونحرص على نقل هذا الإرث إلى الأجيال المقبلة والمحافظة على التكية وما تمثله من قيمة دينية وتراثية لأهالي كركوك".

كركوك والارث الديني

في المقابل، رأى مدير ديوان الوقف السني في كركوك سالم مجيد، لوكالة شفق نيوز، أن "المولد النبوي يمثل مناسبة عظيمة لاستذكار سيرة الرسول الكريم وما تحمله من قيم الرحمة والتسامح والأخلاق الفاضلة التي يحتاجها المجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى".

وتابع قائلاً إن "كركوك تمتلك إرثاً دينياً وتاريخياً متنوعاً، وتضم عدداً من الجوامع والتكايا والمقامات التاريخية التي تشكل جزءاً من هوية المدينة الإسلامية، ويحرص ديوان الوقف السني على رعاية هذه المعالم والمحافظة عليها بما ينسجم مع قيمها الدينية والتراثية".

كما لفت إلى أن "التكية تستقبل سنوياً أعداداً كبيرة من الزائرين خلال أيام المولد النبوي، في أجواء يسودها الاحترام والروحانية، مع التأكيد على أهمية تنظيم الزيارات والحفاظ على قدسية المكان".

وتتميز التكية بموقعها داخل قلعة كركوك، التي تعد من أبرز المعالم الأثرية في العراق، فيما تشير المصادر التاريخية إلى أن التكية شُيدت في العهد العثماني، وأصبحت مركزاً دينياً معروفاً داخل القلعة، ولا تزال تحمل اسم "السيد محمد نجيب".

ذاكرة دينية

في غضون ذلك، قال الباحث في الشأن التاريخي في كركوك عبد الكريم خليفة، لوكالة شفق نيوز، إن "التكايا في كركوك لم تكن أماكن للعبادة والذكر فحسب، بل أدت عبر التاريخ دوراً تعليمياً واجتماعياً وثقافياً، وأسهمت في ترسيخ قيم التعايش التي عُرفت بها المدينة".

وأكد أن "التكية تعد من التكايا القديمة في قلعة كركوك، وقد احتفظت بمكانتها الدينية عبر العقود، فيما تمثل الروايات المتوارثة بشأن الشعرة النبوية جزءاً من الذاكرة الشعبية والدينية لأهالي المدينة".

ووفقاً لخليفة، فإن المصادر التاريخية توثق وجود التكية وأهميتها الدينية، بينما تبقى الرواية المتعلقة بانتقال الشعرة النبوية إلى كركوك من تركيا خلال العهد العثماني من الروايات التي تتناقلها الأسرة المشرفة عليها جيلاً بعد جيل، وهو ما يمنحها بعداً تراثياً واجتماعياً لدى سكان المدينة.

وخلال أيام المولد النبوي، تشهد التكية حركة نشطة منذ ساعات الصباح، إذ يتوافد الرجال والنساء وكبار السن والشباب لزيارة المكان، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي محمد، وسط أجواء يغلب عليها الخشوع والسكينة.

ويؤكد زائرون أن المناسبة تمثل فرصة لاستحضار سيرة النبي والاقتداء بأخلاقه، فضلاً عن كونها مناسبة اجتماعية يلتقي خلالها أبناء المدينة بمختلف مكوناتها، في مشهد يعكس طبيعة كركوك المعروفة بتنوعها القومي والديني.

وتحتفظ كركوك بعدد من المعالم الدينية التاريخية، من بينها الجوامع والتكايا والمقامات التي يعود بعضها إلى مئات السنين، فيما تعد تكية السيد نجيب واحدة من أبرز هذه المعالم، نظراً لموقعها داخل القلعة وارتباطها بالروايات المتوارثة عن الشعرة النبوية.

ومع استمرار الاهتمام الشعبي بهذه المناسبة، يرى مختصون أن الحفاظ على هذه المواقع لا يقتصر على صيانتها عمرانياً، بل يشمل أيضاً توثيق تاريخها ورواياتها المتوارثة، بما يميز بين الحقائق التاريخية المثبتة والموروث الشعبي، حفاظاً على ذاكرة المدينة وتراثها للأجيال المقبلة.

 

This browser does not support the video element.