شفق
نيوز- كركوك
أسفل
قلعة كركوك، حيث تختلط طبقات التاريخ بثقل المعيشة اليومية، يفترش الشاب سيزار عمر،
الرصيف، ويصفّ أمامه عشرات الألعاب الصغيرة الملوّنة. دمى بلاستيكية، سيارات
مصغّرة، كرات مطاطية، وألعاب تصدر أصواتاً كفيلة بجذب أنظار الأطفال وإقناع ذويهم
بالشراء.
عمر،
الذي لم يكمل تعليمه، وجد في بيع ألعاب الأطفال مصدر رزق يومي، لكنه لا يخفي "غموض"
مصدر بضاعته.
ويقول
سيزار عمر في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "هذه الألعاب مسالمة، وما نبيعه هنا
يُقال عنه أوروبي أو مستورد من الصين، والناس تشتري لأنها رخيصة ومناسبة".
وعند
سؤاله عن شهادات السلامة أو بلد المنشأ الدقيق، يضيف: "نحن نشتريها من تجار الجملة، ولا
تصلنا معلومات واضحة أكثر من ذلك".
السعر
أولاً والسلامة "مؤجلة"
على
بعد أمتار قليلة، يقف بائع آخر يُدعى أحمد جاسم، وقد رصّ بضاعته في صناديق كارتونية
مفتوحة.
يؤكد
جاسم لوكالة شفق نيوز، أن سوق ألعاب الأطفال في العراق تحكمه معادلة واحدة وهي
"السعر"، مبيناً أن "الزبون يسأل أولاً: بكم اللعبة؟. قليل من
الناس يسأل عن بلد الصنع أو إن كانت آمنة".
ويتابع:
"نحن نسمع أن بعض الألعاب أوروبية أو تركية، وأخرى صينية، لكن في الحقيقة
أغلبها تمر عبر أكثر من تاجر".
من
50 سنتاً إلى 20 دولاراً
وخلال
جولة ميدانية أجرتها وكالة شفق نيوز في عدد من الأسواق الشعبية، تبيّن أن أسعار
ألعاب الأطفال المستعملة تشهد تفاوتاً كبيراً يعكس غياب أي تسعيرة رسمية أو رقابة
نوعية.
فبعض
الألعاب المستعملة، التي تُعرض على أنها "أوروبية" أو "أصلية"،
تُباع بأسعار تتراوح بين 15 إلى 20 دولاراً (نحو 21 ألف دينار إلى 29 ألف دينار
تقريباً) للعبة الواحدة، خصوصاً الدمى الكبيرة أو الألعاب الإلكترونية الصغيرة
التي تبدو بحالة جيدة.
في
المقابل، تنخفض أسعار ألعاب أخرى إلى ما بين 5 و10 دولارات (نحو 7 آلاف دينار إلى 14500
ألف دينار تقريباً)، وتشمل ألعاباً بلاستيكية متوسطة الحجم.
أما
الشريحة الأوسع تداولاً في الأسواق الشعبية، فتُباع بأسعار تتراوح بين دولاراً
واحداً و3 دولارات (نحو 1440 ديناراً 4300 دينار تقريباً)، وتشمل سيارات صغيرة
ودمى خفيفة وكرات مطاطية.
وفي
أدنى السلم السعري، رصدت شفق نيوز بيع ألعاب أطفال صغيرة جداً أو بسيطة بأسعار تصل
إلى 50 سنتاً (نحو 720 ديناراً)، وغالباً ما تُعرض دون تغليف، ودون أي معلومات عن
بلد المنشأ أو مواد التصنيع.
ويؤكد
باعة أن هذا الانخفاض الكبير في الأسعار هو السبب الرئيسي في رواج هذه الألعاب،
رغم إدراك بعض الأهالي لمحدودية جودتها.
من
أين تأتي الألعاب؟
للإجابة
عن هذا السؤال، تحدثت وكالة شفق نيوز مع زهير قادر، وهو مستورد ألعاب يعمل في هذا
القطاع منذ أكثر من عشر سنوات.
ويقول
قادر إن "العراق لا يمتلك صناعة محلية حقيقية لألعاب الأطفال، لذلك نعتمد على
الاستيراد، خصوصاً من الصين، إضافة إلى تركيا وإيران، وأحياناً عبر الإمارات".
ويوضح:
"الصين تهيمن بسبب رخص الأسعار والكميات الكبيرة، بينما الألعاب الأوروبية
أغلى ولا تدخل إلا بكميات محدودة".
أرقام
كبيرة ورقابة محدودة
وتشير
بيانات التجارة الدولية إلى أن العراق يستورد سنوياً عشرات آلاف الأطنان من ألعاب
الأطفال، بقيم مالية تصل إلى مئات ملايين الدولارات.
لكن
هذه الأرقام لا يقابلها، بحسب مختصين، مستوى مماثل من الرقابة داخل الأسواق، حيث
تُباع الألعاب دون تعليمات استخدام أو تحذيرات عمرية واضحة.
تحذيرات
الخبراء
الخبير
الاقتصادي علي خليل يرى أن المشكلة تبدأ بعد دخول البضاعة إلى السوق.
ويقول
خليل لوكالة شفق نيوز، إن "الاستيراد يتم بأوراق رسمية، لكن ما يحدث داخل
الأسواق هو غياب شبه تام للرقابة النوعية".
ويضيف:
"لا توجد آلية فاعلة لسحب الألعاب الرديئة أو غير المطابقة للمواصفات، حتى لو
ثبت أنها تشكل خطراً صحياً على الأطفال".
ويحذر
من أن بعض الألعاب الرخيصة قد تحتوي على مواد بلاستيكية أو صبغات غير آمنة، خصوصاً
تلك التي تُباع بأسعار متدنية جداً.
الباعة
الحلقة الأضعف
في
المقابل، يرى الباعة أنفسهم أنهم ليسوا طرفاً في "صنع هذه الفوضى".
سيزار
عمر يقول مجدداً لوكالة شفق نيوز: "نحن نبيع لنعيش، ولسنا جهات رقابية، ولو
كانت هناك فرص عمل حقيقية لما وقفنا في الشارع".
أما
أحمد جاسم فيؤكد "لو توفرت ألعاب آمنة وبأسعار مناسبة، سواء كانت محلية أو
مستوردة، فسنبيعها فوراً".
بين
القلعة والسوق
وبين
قلعة كركوك التي تختزن تاريخاً طويلاً، وأسواق تفيض بألعاب بلا هوية واضحة، تتجلى
مفارقة ملخصها: سوق استهلاكية واسعة، مقابل رقابة محدودة، وسلسلة استيراد تسيطر
عليها الأسعار أكثر من معايير السلامة.
وإلى
أن تُحسم هذه الفوضى، سيبقى باعة الأرصفة يعرضون ألعاباً "مسالمة" كما
يصفونها، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة: من يراقب، ومن يحمي الأطفال؟.