شفق نيوز- كركوك
أعادت موجة السيول والأمطار الغزيرة التي ضربت محافظة كركوك خلال الأيام الماضية، الحياة إلى نهر الخاصة، أحد أبرز المعالم المائية في المدينة، بعد سنوات من الجفاف والتراجع الحاد في مناسيب المياه، في مشهد لافت أعاد للنهر تدفقه الطبيعي وأثار تفاعلاً واسعاً بين الأهالي.
وشهد النهر ارتفاعاً سريعاً في منسوب المياه نتيجة السيول القادمة من المرتفعات والمناطق المحيطة بكركوك، ولاسيما من الجهات الشرقية والشمالية، حيث تتجمع مياه الأمطار عبر الأودية والشعاب لتصب في مجرى النهر داخل المدينة. وأدى ذلك إلى امتلاء المجرى بشكل واضح بعد أن كان في فترات سابقة شبه جاف أو محدود الجريان.
مدير الموارد المائية في كركوك، زكي كريم، أوضح لوكالة شفق نيوز، أن "نهر الخاصة عانى خلال السنوات الماضية من موجات جفاف متكررة، نتيجة قلة الأمطار وتراجع الخزين المائي، ما أدى إلى انخفاض كبير في مناسيب المياه داخله".
وأضاف كريم أن "السيول الأخيرة التي شهدتها المحافظة أسهمت بشكل مباشر في إنعاش النهر ورفع منسوب المياه فيه إلى مستويات لم تُسجل منذ فترة طويلة"، مبيناً أن "المياه المتدفقة حالياً هي في معظمها مياه أمطار وسيول سطحية، وهي ذات نوعية جيدة نسبياً، لكنها قد تحمل معها بعض الشوائب نتيجة جرف التربة والمخلفات من المناطق المرتفعة".
وأشار إلى أن "هذا الانتعاش يبقى مؤقتاً إذا لم تتكرر موجات الأمطار، إذ إن النهر يعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار والسيول، ولا توجد حالياً مصادر ديمومة كافية تضمن استمرارية الجريان طوال العام".
من جانبه، قال قائممقام كركوك فلاح خليل يا يجلي، لوكالة شفق نيوز، إن "السيول التي اجتاحت المحافظة أعادت الحياة إلى نهر الخاصة، لكنها في الوقت ذاته شكلت تحدياً كبيراً للدوائر الخدمية بسبب ارتفاع مناسيب المياه بشكل مفاجئ".
وأضاف أن "السلطات المحلية استنفرت جهودها لمواجهة تداعيات السيول، من خلال فتح المسارات المائية وإزالة العوائق التي تعيق جريان المياه، فضلاً عن متابعة المناطق القريبة من مجرى النهر تحسباً لأي طارئ"، مشدداً على "أهمية توخي الحذر من قبل المواطنين والابتعاد عن مجاري السيول خلال فترات ذروة الجريان".
وفي السياق ذاته، قال إبراهيم موسى، أحد المختصين في مجال المياه في كركوك، لوكالة شفق نيوز، إن "ما يشهده نهر الخاصة حالياً يمثل حالة إنعاش طبيعية ناتجة عن السيول، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن هشاشة إدارة الموارد المائية في المدينة".
وأوضح أن "النهر يعتمد بشكل شبه كامل على مياه الأمطار، ما يجعله عرضة للجفاف في مواسم الشح، في حين يتحول إلى مجرى سريع وخطر خلال مواسم الأمطار الغزيرة"، لافتاً إلى أن "غياب مشاريع خزن المياه أو تنظيم الجريان يزيد من حدة هذه التغيرات".
وأضاف موسى أن "الاستفادة من هذه المياه تتطلب إنشاء مشاريع حصاد مائي وسدود صغيرة للحد من الهدر، فضلاً عن تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار داخل المدينة لتقليل مخاطر الفيضانات".
ورغم المشهد الإيجابي الذي رسمته المياه المتدفقة في نهر الخاصة، إلا أن السيول تسببت بأضرار في بعض المناطق، حيث غمرت المياه طرقاً رئيسية وأراضٍ زراعية، فضلاً عن تسجيل حوادث جرف لمواطنين ومركبات في أطراف المحافظة نتيجة قوة اندفاع المياه.
وتواصل فرق الدفاع المدني والدوائر الخدمية أعمالها لمراقبة الوضع الميداني والتدخل عند الحاجة، في وقت تؤكد فيه الجهات المعنية أن الوضع ما زال تحت السيطرة، مع استمرار تدفق المياه في بعض المناطق.
وبينما ينظر الأهالي إلى عودة المياه في نهر الخاصة بوصفها مؤشراً إيجابياً بعد سنوات من الجفاف، يرى مختصون أن هذه الظاهرة يجب أن تكون دافعاً لإعادة النظر في إدارة الموارد المائية في كركوك، من خلال تبني خطط طويلة الأمد تضمن استدامة المياه وتقليل مخاطر السيول.
وفي ظل التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة، تبقى كركوك أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في كيفية الاستفادة من مياه الأمطار والسيول، وفي الوقت ذاته حماية المدينة وسكانها من أخطار الفيضانات، وهو ما يتطلب تنسيقاً عالياً بين الجهات المعنية واستثماراً حقيقياً في البنى التحتية المائية.