شفق نيوز- ديالى

في جولة صباحية بشوارع مدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى، لا يحتاج المارة إلى كثير من التدقيق لمشاهدة طلبة يقضون ساعات الدوام خارج مدارسهم، فبعضهم ينتظر أمام قاعات الألعاب لفتح أبوابها والدخول إليها، فيما يجلس آخرون في المقاهي حول طاولات الورق والدومينو، ويتناوب عدد آخر على لعب البلياردو، مع انطلاق أولى ساعات اليوم الدراسي.

داخل بعض صالات الألعاب والمقاهي، تجاور الحقائب المدرسية كراسي الجالسين، وتتصاعد أدخنة الأراكيل والسجائر من طاولات يشغلها فتية يُفترض أن يكونوا في صفوفهم، لكن حركة المدينة تمضي بصورة اعتيادية، بينما يقضي هؤلاء صباحاً دراسياً بعيداً عن المدرسة.

50 طالباً في مقهى

ففي مقهى واحد قرب شارع خريسان وسط بعقوبة، رصد فريق من الشرطة أكثر من 50 طالباً في صباح واحد خلال الأسبوع الماضي، بحسب شهود عيان أكدوا أن فريق الشرطة جمع الطلبة وقدم لهم النصائح، محذراً إياهم من ترك المدرسة وقضاء أوقات الدوام خارج الصفوف، إلى جانب تحذير صاحب المقهى من استقبال الأحداث.

ويطرح وجود عشرات الطلبة في المقاهي وصالات الألعاب خلال ساعات الدوام أسئلة تتجاوز أسباب الغياب الفردي إلى قدرة المدارس على الاحتفاظ بطلبتها، وحدود متابعة الأسر، ومسؤولية أصحاب الأماكن التي تستقبلهم.

ولا يقدم الطلبة المتغيبون تفسيراً واحداً لغيابهم عند سؤال مراسل وكالة شفق نيوز لهم، فبعضهم يتحدث عن نقص الملاكات التدريسية وتهالك الأبنية، فيما يشير آخرون إلى الملل وضعف الأنشطة المدرسية، أو مجاراة أصدقاء اعتادوا مغادرة الدوام.

تغيب سري

ووصف الباحث في الشأن التربوي، حسين زيدان، الظاهرة بأنها "تغيّب متخفٍّ"، يغادر فيه الطالب منزله بزيه المدرسي ويعود في موعده المعتاد، بينما يقضي ساعات الدراسة في المقاهي وصالات الألعاب، ما يجعل الأسرة أحياناً آخر من يعلم.

وقال زيدان لوكالة شفق نيوز، إن "هذا السلوك قد يرتبط بالتعثر الدراسي أو التنمر أو ضعف شعور الطالب بالانتماء إلى المدرسة، إلى جانب تأثير الأصدقاء وغياب المتابعة الأسرية"، مشيراً إلى أن "الألعاب تمنحه شعوراً سريعاً بالإنجاز والقبول قد يفتقده داخل الصف".

وأضاف أن "تكرار الغياب يراكم فجوات التعلم، فيجد الطالب صعوبة في متابعة الدروس، ويزداد نفوره من المدرسة، بما قد يقوده إلى الرسوب والانقطاع عن التعليم، كما أن إخفاء الغياب عن الأسرة قد يفاقم توتره ويضعف الثقة بينه وبين أهله عند اكتشاف الأمر".

وأشار إلى أن "المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع"، لافتاً إلى أن "تأخر إبلاغ الأهل بالغياب، وضعف الإرشاد التربوي والأنشطة المدرسية، واستقبال الطلبة في المقاهي خلال الدوام، عوامل تسمح باستمرار المشكلة".

وتابع زيدان قائلاً إن "المعالجة تبدأ بفهم أسباب الغياب، والحوار مع الطالب، وإشعار أسرته مبكراً، ومساعدته على تعويض الدروس، وتوفير أنشطة رياضية وفنية تعيد ارتباطه بالمدرسة"، موضحاً أن "العقاب وحده قد يدفع الطالب إلى إتقان الإخفاء بدلاً من معالجة أسباب تغيبه".

في المقابل، يبين المواطن حسين الشمري أن "اكتشاف ترك الطالب لمدرسته أمر صعب إذا كان خروجه وعودته يتطابقان مع أوقات الدوام، فالأمر يتطلب متابعة دقيقة ومستمرة مع المدرسة".

وأوضح الشمري أن "أحد الأصدقاء اكتشف أن ابنه يخرج كل صباح بحقيبته ويعود في الوقت المعتاد، لذلك لم يشك في شيء حتى عرف لاحقاً أنه يتغيب مع رفاقه. لذا، يتطلب الأمر تواصلاً مستمراً بين العائلة والمدرسة".

حملات في المقاهي

ومع تكرار وجود الطلبة في هذه الأماكن، تنفذ الشرطة المجتمعية حملات على المقاهي وقاعات الألعاب.

وفي هذا الصدد، قال مدير الشرطة المجتمعية في ديالى، العميد صلاح عدنان إسماعيل، لوكالة شفق نيوز، إن "مفارز الشرطة المجتمعية تنفذ حملات مستمرة تشمل جمع الطلبة الموجودين في المقاهي أثناء الدوام، وتقديم النصح لهم وتحذيرهم من تكرار الغياب، فضلاً عن تحذير أصحاب المقاهي من استقبال الأحداث".

ولفت إسماعيل إلى أن "الشرطة المجتمعية تحضر أيضاً اجتماعات أولياء الأمور في المدارس، وتناقش هذه الظواهر معهم وتقدم الحلول لها"، مؤكداً أن "بعض الحملات المشتركة مع مكافحة المخدرات وشرطة الأحداث وبقية التشكيلات تتضمن حتى اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين من أصحاب المقاهي".

بدوره، ذكر المتحدث باسم مديرية تربية ديالى، عمار العبيدي، أن "ظاهرة ترك الحصص الدراسية تنتشر بين طلبة الثانوية، وتكاد تكون معدومة في المدارس الابتدائية، حيث تقوم الكوادر التدريسية بتقديم النصائح للطلبة في المدارس الثانوية وحثهم على عدم ترك المحاضرات والحصص".

وبين العبيدي أن "المدارس تتابع حالات تغيب الطلبة وتبلغ ذويهم بشكل فوري لاتخاذ الإجراءات اللازمة، حيث يتم توجيه إنذار أولي للطالب واستقدام ذويه إذا وصل غيابه إلى 7 أيام، وعند بلوغه 15 يوماً يُوجَّه إنذار ثانٍ، وعند 20 يوماً إنذار نهائي، فيما يتم الفصل عند بلوغ الغياب 25 يوماً".

وأكد أن "إدارات المدارس وكوادر الإرشاد تتواصل مع عوائل الطلبة في حال تغيبهم أو حتى تأخرهم، لمناقشة الأسباب وإيجاد الحلول للمشكلات التي تواجه الطلبة".

إعادة الطالب إلى الصف لا تكفي

من جهته، رأى الناشط في مجال حقوق الإنسان، مصطفى العزاوي، أن "وجود طلبة في المقاهي وصالات الألعاب خلال ساعات الدوام يستدعي البحث في أسباب غيابهم، بدلاً من الاكتفاء بإعادتهم إلى مدارسهم أو معاقبتهم".

وقال العزاوي لوكالة شفق نيوز، إن "أسباب التغيب قد تختلف من طالب إلى آخر، بين التعثر الدراسي أو التنمر أو ضعف متابعة الأسرة، فضلاً عن نقص المدرسين وواقع الأبنية المدرسية"، مشدداً على "ضرورة التحقق من هذه الشكاوى ومعالجة ما يثبت منها".

ووفقاً للعزاوي، فإن معالجة المشكلة تتطلب إبلاغ الأهالي بالغياب مبكراً، والاستماع إلى الطلبة ومساعدتهم على تعويض ما فاتهم من دروس، إلى جانب توفير بيئة مدرسية تشجعهم على الحضور وتمنحهم مساحة للأنشطة التعليمية، مؤكداً أن نجاح أي إجراء يُقاس بانتظام الطالب في الدراسة وتوفير بيئة تعليمية مريحة، لا بعودته إلى الصف فقط.