شفق نيوز- النجف

على حافة بحر النجف، تمتد مستنقعات مائية متفرقة بمساحات واسعة، تطغى عليها الألوان البيضاء والرمادية، وتخلو من الطيور والأسماك، باستثناء أكوام الملح المتناثرة على تلالها، التي يعمل عدد من أبناء المنطقة على استخراجها بوسائل بدائية، في مهنة توارثوها عن آبائهم وأجدادهم.

وتبدأ رحلة استخراج الملح مع شروق الشمس، إذ يعمل العمال على تكسير كتل الملح إلى قطع صغيرة، قبل سحبها عبر شبكة من الأنابيب البلاستيكية تمتد لمئات الأمتار، وصولاً إلى مواقع التصفية، حيث يُفصل الملح الناعم عن الخشن بوسائل بسيطة، فيما تنتهي ساعات العمل قبل حلول الظهيرة، بسبب طبيعة العمل الشاقة والتعرض المباشر للمياه والأملاح.

وتستغرق عملية زراعة الملح واستخراجه ما بين ستة أشهر وسنة، في ظل غياب المعدات الحديثة التي تحول كلفتها المالية المرتفعة دون استخدامها، الأمر الذي يجعل العمال يعتمدون على وسائل تقليدية في مراحل الإنتاج المختلفة.

ويقول حسين خيوط لوكالة شفق نيوز، إن "زراعة الملح قرب بحيرة النجف، أو ما يُعرف ببحر النجف، تستغرق من ستة أشهر إلى سنة، ويفضل العاملون استخدام مياه الآبار لبرودتها، إذ يؤدي اختلاطها بحرارة الصيف إلى تفاعل يساعد على تكوّن كريات من الملح الخشن الأبيض".

ويضيف أن "فصل الملح الناعم عن الخشن يتم باستخدام قطعة قماش شفافة مثبتة على هيكل كبير يتجاوز طوله أربعة أمتار وعرضه مترين، وترتبط به شبكة من الأنابيب البلاستيكية قد يصل طولها إلى 500 متر، تعمل من خلال عدة مضخات ماء تسحب الملح من المواقع المزروعة بعد تكسيره إلى قطع صغيرة وذوبانه، لينتقل إلى موقع التصفية الذي يديره عدد من العمال".

ويوضح خيوط أن "عملية استخراج الملح لا تزال شبه بدائية، وتنطوي على متاعب كثيرة، لذلك نحرص على حماية أنفسنا من الأمراض الجلدية بارتداء بدلات تمنع تسرب المياه إلى أجسامنا، فضلاً عن قفازات ذات جودة عالية لا تتأثر بالأملاح، على عكس ما كان يعانيه آباؤنا وأجدادنا من أمراض جلدية بسبب تعرض أجسامهم للمياه والأملاح بصورة مباشرة".

من جانبه، يقول حسن خيوط لوكالة شفق نيوز، إن "مهنة استخراج الملح ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، الذين كانوا يستخرجونه وينقلونه على ظهور الجمال إلى السعودية لبيعه، فضلاً عن تسويقه في المدن العراقية بالطريقة نفسها".

ويشير إلى أن الإنتاج اليومي كان يتراوح بين 30 و40 طناً، إلا أن "العمل يواجه حالياً مضايقات ومشكلات لأسباب متعددة، أثرت في قدرة العمال على ممارسة أعمالهم بصورة طبيعية، وأدت إلى انخفاض الإنتاج بشكل كبير"، معرباً عن أمله في حل تلك المشكلات خلال الفترة المقبلة.

وعن استخدامات الملح المستخرج، يوضح خيوط أنه يُباع لأصحاب معامل الطرشي والمخللات، ومعامل السمسم، ودباغة الجلود، فضلاً عن استخدامه في بعض مجالات الطاقة الكهربائية وصناعة الحديد ومعامل الثلج، مؤكداً أنه لا يُستخدم للاستهلاك البشري بصورته الحالية.

ويختم بالقول إن إمكانية استخدام هذا الملح للأغراض الغذائية تبقى مرهونة بإخضاعه لعمليات معالجة وتنقية وتعقيم باستخدام أجهزة متطورة، بما يضمن مطابقته لمتطلبات السلامة والجودة اللازمة للاستهلاك البشري.