شفق نيوز- الأنبار
أكد مدير آثار الأنبار، عمار علي، يوم الخميس، أن افتتاح متحف الأنبار الحضاري لا يزال معطلاً بسبب عدم صدور الموافقات الأمنية لنقل القطع الأثرية من العاصمة بغداد إلى المحافظة، رغم استكمال جميع المتطلبات اللوجستية والفنية الخاصة بالمعرض.
وقال علي، لوكالة شفق نيوز، إن "المعوق الأساسي الذي يحول دون نقل 530 قطعة أثرية خاصة بالأنبار من مخازن المتحف الوطني في بغداد، هو عدم حصولنا حتى الآن على موافقات قيادة عمليات بغداد والعمليات المشتركة، رغم المتابعة الحثيثة من الحكومة المحلية ومجلس المحافظة”.
وأشار إلى أن المتحف تعرض لأضرار كبيرة جراء العمليات العسكرية، وتمت إعادة ترميمه وتجهيزه بالكامل من قبل ديوان المحافظة على مراحل، مبينًا أن المعرض أصبح اليوم مؤهلاً بكافة متطلبات العرض المتحفي الحديثة، من خزائن عرض ومنظومات مراقبة وكاميرات وإنذار وإطفاء حرائق".
وأضاف علي: "حصلنا على موافقة رسمية من وزير الثقافة لاسترجاع آثار الأنبار، وتم جرد القطع الأثرية وتجهيزها، إلا أن نقلها ما زال معطلاً لأسباب تتعلق بالموافقات الأمنية".
وأوضح أن "رئيس مجلس المحافظة السابق، عمر دبوس، زار الموقع وكان داعماً قوياً لمشروع إعادة افتتاح المتحف، وقدمنا حينها كل التسهيلات، لكن المشكلة لا تتعلق بالأنبار بل بالجهات الأمنية العليا في بغداد”.
وتابع علي: "من جانبنا، استكملنا كل ما يتعلق بتهيئة المتحف، وننتظر فقط القرار الرسمي بنقل الآثار، لنعيد افتتاح صرحٍ حضاري يمثل ذاكرة الأنبار وتاريخها".
من جانبه، يرى المؤرخ والباحث في شؤون التراث العراقي، عمر الراوي، أن "افتتاح متحف الأنبار الحضاري لا يمثل فقط خطوة ثقافية، بل هو استعادة لهوية تاريخية غُيبت لسنوات طويلة بسبب النزاعات والاضطرابات".
وذكر الراوي، خلال حديثه للوكالة، أن "الأنبار ليست مجرد محافظة جغرافية، بل تمثل مساحة حضارية ضاربة في عمق التاريخ، ابتداءً من العصور الآشورية والبابليـة، مرورًا بالعهدين العباسي والعثماني، وهي منطقة زاخرة باللقى الأثرية التي توثق مراحل مهمة من تطور الحياة السياسية والدينية والاقتصادية في العراق".
ولفت إلى أن "المتحف يمثل وسيلة لحفظ هذا الإرث بعيدًا عن التهديدات، سواء تلك الناجمة عن التهريب أو عن الإهمال"، مضيفًا أن "وجود هذه القطع في متحف داخل المحافظة يتيح للباحثين والطلبة الاطلاع عليها مباشرة، بدلًا من بقاءها حبيسة المخازن في العاصمة، أو عرضها خارج سياقها الجغرافي".
وشدد الباحث في شؤون التراث العراقي على أن "التأخير في نقل هذه الآثار لا يُبقيها فقط بعيدة عن الأنظار، بل يحرم سكان الأنبار من إعادة الارتباط بتاريخهم، خصوصًا الجيل الجديد الذي لم تتح له الفرصة لرؤية تراثه المادي والتفاعل معه".
إلى ذلك، أكد الناشط المدني في مدينة الرمادي، محمد فهد العيساوي، أن "وجود متحف يعرض القطع الأثرية الخاصة بمحافظة الأنبار بات ضرورة ملحة، ليس فقط من أجل الثقافة، بل من أجل تعزيز الانتماء وإعادة بناء الهوية المجتمعية بعد سنوات من العنف والنزوح".
وأوضح العيساوي لوكالة شفق نيوز أن "الأجيال الجديدة في الأنبار كبرت في ظل صراعات أحرقت كل ملامح الحياة، واليوم، حين تعيد الحكومة عرض تراثنا المحلي في متحف حضاري، فهي تمنح أبناء المحافظة فرصة لفهم جذورهم، والتعرف على العمق الحضاري الذي ينتمون إليه".
وأشار إلى أن "المتحف ليس مجرد مبنى لعرض التحف، بل يمكن أن يكون مساحة تعليمية مفتوحة، تنظم فيها جولات مدرسية ومحاضرات وورش عمل، مما يعيد للثقافة مكانتها في وعي المجتمع".
وأضاف: "في الأنبار نحتاج إلى سردية ثقافية موازية لسردية الحرب، نحتاج إلى أن نرى ما كنا عليه قبل الخراب، والمتحف هو منبر لذلك"، مؤكداً أن "التأخير في افتتاحه يُفوت على الناس فرصة استعادة شيء من الذات الجماعية، خصوصًا وأن المتحف سيكون متاحًا للجمهور، وليس حكرًا على المختصين".
وتأسس متحف الأنبار الحضاري في مدينة الرمادي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1981، ليكون واجهة ثقافية وتاريخية توثق الإرث الحضاري العريق الذي تزخر به محافظة الأنبار، وقد تم إنشاؤه على أرض تعود ملكيتها للدولة، وجُهز حينها ببنية متحفية متواضعة، لكنه ضم في مقتنياته عدداً مهماً من القطع الأثرية التي تعود لعصور مختلفة، منها السومرية والآشورية والإسلامية.
ومع تصاعد الأحداث الأمنية عقب عام 2003، تعرض المتحف إلى عمليات نهب وتخريب جزئي، ما دفع الجهات المعنية إلى نقل أغلب القطع الأثرية إلى المتحف الوطني في بغداد حفاظًا عليها من السرقة أو التلف، ومنذ ذلك الحين، ظل مبنى المتحف مغلقًا أو يستخدم لأغراض غير متحفية، إلى أن تعرض خلال المعارك ضد تنظيم داعش في 2015 لأضرار جسيمة طالت بنيته التحتية، مما جعله خارج الخدمة تمامًا.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت محافظة الأنبار بخطة لإعادة تأهيل المتحف بدعم من الحكومة المحلية، بهدف إعادة افتتاحه كمؤسسة ثقافية تعكس التاريخ المحلي للمنطقة، وتسترجع ما فقدته الأنبار من ملامحها الحضارية، ويُعد المتحف أحد أهم المطالب الثقافية لسكان المحافظة، كونه يمثل رابطًا حيًا بين الأجيال وتاريخهم المنسي.