شفق نيوز – كركوك

مع أولى خيوط الفجر، وقبل أن تفتح الأسواق أبوابها، تسبق رائحة التراب المبلل حضور الباعة إلى الشوارع، معلنة بداية موسم قصير تزامناً مع تساقط أمطار ربيعية لكنه لافت في العراق، حيث يتحول الكمأ، أو "الفقع"، إلى بطل الأسواق وواجهة حديث الناس، في ظل أسعار تصل إلى 60 ألف دينار للكيلوغرام الواحد.

في أحد أسواق كركوك، يقف البائع عبدالله خليل خلف أكوام من الكمأ متفاوتة الأحجام، يرتبها بعناية ويزيل عنها بقايا التراب، بينما يتجمع الزبائن حوله لاختيار أفضل القطع.

ويقول خلف في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "هذا الموسم يُعد من المواسم الجيدة مقارنة بالسنوات الماضية، بسبب وفرة الأمطار التي انعكست على حجم الإنتاج"، مشيراً إلى أن السوق يشهد حركة نشطة منذ الصباح الباكر.

ويضيف أن "الكميات التي تصل إلى كركوك تأتي من مناطق متعددة، أبرزها صحراء الأنبار، خصوصاً الرطبة والنخيب، إلى جانب بادية نينوى وصلاح الدين، فضلاً عن أطراف كركوك وجبال حمرين"، مبيناً أن هذه المناطق تُعد من أبرز البيئات الحاضنة لنمو الكمأ في العراق.

وفي تلك المناطق، وتحديداً بين تلال ووديان حمرين، يقضي الباحث عن الكمأ حسن الجبوري ساعات طويلة في رحلة البحث.

ويروي الجبوري، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "يومنا يبدأ مع شروق الشمس، نحمل أدوات بسيطة ونعتمد على خبرتنا في قراءة الأرض، لأن الكمأ لا يظهر بشكل مباشر، بل نستدل عليه من خلال تشققات التربة أو بعض العلامات الطبيعية".

ويشير إلى أن "هذا العام شهد تحسناً ملحوظاً في الكميات، خاصة في المناطق القريبة من حمرين، حيث ساعدت الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية على ظهوره بشكل أكبر"، لكنه يلفت إلى أن "العمل يبقى شاقاً ويتطلب صبراً وخبرة، إذ قد نقضي ساعات دون العثور على شيء".

وبحسب تقديرات باعة محليين، فإن الكميات المتداولة يومياً في أسواق كركوك خلال ذروة الموسم تصل إلى عدة أطنان، ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي المرتبط بهذا المنتج الموسمي، رغم قصر مدته التي لا تتجاوز أسابيع معدودة.

وعن الأسعار، يوضح عبدالله خليل أن "سعر الكيلوغرام الواحد يبدأ من 20 ألف دينار للأحجام الصغيرة، ويصل إلى 60 ألفاً وربما أكثر للأحجام الكبيرة"، مؤكداً أن "العامل الأهم في تحديد السعر هو الحجم، فكلما كبرت الكمأة ارتفع ثمنها، خصوصاً النوع الأبيض المعروف بالزبيدي، والذي يُعد الأكثر طلباً".

ويتابع أن "الزبائن يفضلون الأحجام الكبيرة بسبب جودتها وطعمها، لذلك تُباع بسرعة رغم ارتفاع سعرها"، لافتاً إلى أن بعض التجار يشترون كميات كبيرة لإعادة بيعها في محافظات أخرى، ما يزيد من حركة السوق.

ولا يقتصر تأثير الكمأ على الجانب التجاري فقط، بل يمتد إلى كونه مصدر دخل موسمي لعشرات العوائل، سواء من خلال جمعه أو بيعه.

وبهذا الصدد يقول البائع خلف: "نحن ننتظر هذا الموسم كل عام، فهو فرصة لتعويض جزء من المصاريف، لكن كل شيء يعتمد على المطر".

من جانبه، يوضح الخبير الزراعي الدكتور مهند العزاوي، أن الكمأ يُعد من الفطريات البرية التي تنمو تحت سطح الأرض، ويعتمد بشكل رئيسي على الأمطار المصحوبة بالبرق والرعد، مؤكداً أن "توفر هذه الظروف هذا العام ساهم في زيادة الإنتاج في عدد من المناطق العراقية".

ويضيف أن الكمأ في العراق يتنوع بين عدة أنواع، أبرزها "الزبيدي" الأبيض كبير الحجم، و"الخلاسي" المائل إلى اللون الأحمر، و"الجبأة" الداكن، فضلاً عن "الهوبر" الذي يُعد أصغر حجماً وأقل سعراً، مشيراً إلى أن هذه الأنواع تختلف من حيث الجودة والقيمة السوقية.

ورغم ما يحمله هذا الموسم من فرص، إلا أن المخاطر لا تغيب عن المشهد. ففي بعض مناطق البحث، خصوصاً البعيدة أو التي شهدت عمليات عسكرية في السنوات الماضية، ما تزال مخلفات حربية وأجسام غير منفجرة تشكل تهديداً حقيقياً.

وفي هذا السياق، قال مصدر أمني في كركوك، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "القوات الأمنية تحذر المواطنين من التوغل في المناطق غير المؤمنة، خاصة في أطراف المحافظة وجبال حمرين"، مؤكداً أن "هناك جهوداً مستمرة لتطهير هذه المناطق، لكن الحذر يبقى ضرورياً".

ورغم تلك التحذيرات، يواصل الباحثون رحلاتهم اليومية، مدفوعين بالأمل في العثور على محصول ثمين، بينما تستمر الأسواق في استقبال هذا "الضيف الموسمي" الذي يجمع بين كونه طعاماً فاخراً ومصدراً للرزق.

وبين تعب الباحثين في الصحراء، وحركة البيع في الأسواق، تتشكل قصة الكمأ في العراق كحكاية موسمية ترتبط بالمطر والأرض، وتمنح كثيرين فرصة قصيرة لكنها مؤثرة، لالتقاط رزق قد لا يتكرر إلا مرة واحدة كل عام.