شفق نيوز- أربيل
على جدران تفوح منها رائحة التاريخ وعبق القهوة والشاي الأصيل، يختصر "مقهى مام خليل" في سوق القيصرية بمدينة أربيل عقوداً من التحولات السياسية والاجتماعية في العراق، ليتحول من مجرد ملتقى شعبي إلى ما يشبه "المتحف" أو "الأرشيف السياسي" الذي يوثق ذاكرة البلاد بالصور.
يروي محمد خليل، صاحب المقهى الحالي ووارث سر والده الراحل، قصة هذا المكان الذي لم تتغير ملامحه كثيراً منذ منتصف القرن الماضي. حيث يقول خليل لوكالة شفق نيوز: "منذ عام 1952، افتتح والدي الراحل (مام خليل) هذا المقهى، وحرص منذ البداية على تمييزه بوضع صور كثيرة على الجدران، لتصبح بمرور الوقت هوية المكان".
ويضيف خليل، أن "الصور المعلقة لا تقتصر على فئة محددة، بل تتضمن مختلف الشخصيات السياسية والثقافية في أربيل والعراق عامة، فضلاً عن شخصيات دولية وأجنبية".
ويشير إلى أن "بعض هؤلاء السياسيين زاروا المقهى فعلياً والتقطوا الصور مع والده، بينما جُمعت صور أخرى لشخصيات تاريخية ووفود أجنبية لتكون بمثابة أرشيف سياسي للعراق الحديث، حيث يمكن للزائر اليوم مشاهدة تناقضات وتحالفات السياسة العراقية جنباً إلى جنب على جدار واحد".
بالنسبة للزبائن الدائمين، المقهى ليس مجرد مكان لتناول المشروبات، بل هو رحلة استذكار. يقول مهدي صالح، أحد المرتادين الأوفياء للمقهى: "آتي إلى هنا كل يوم، وأشعر بصلة خاصة مع هذا المكان. أغلب الشخصيات التي نراها معلقة على هذه الجدران سبق وأن التقيت بها أو عاصرت فتراتها السياسية".
ورغم طابعه التراثي القديم، نجح "مقهى مام خليل" في استقطاب جيل الشباب، ليخلق حالة من التمازج بين خبرة الكبار وحماس الشباب، حيث يرى محمود عمر، وهو أحد الزبائن، أن هذا التنوع هو ميزة المقهى الكبرى.
ويضيف عمر: "المقهى يجمع مختلف الفئات العمرية، وما يميزه هو خوض النقاشات السياسية الساخنة وسط هذا الأرشيف الصوري الضخم. الصور المحيطة بنا تعطي لهذه النقاشات عمقاً وتاريخاً خاصاً".
وبسبب هذه الأجواء، بات الكثير من الزبائن والباحثين يلقبون المكان بـ"المقهى السياسي"؛ فهو المكان الذي تصمت فيه لغة الخلافات لتتحدث الصور، ويبقى فيه "مام خليل" حارساً لذاكرة أربيل التي لا تشيخ.