شفق نيوز- أربيل
لا تزال بقايا الحروب المنتشرة في مساحات شاسعة من العراق تمثل تهديدا يوميا لحياة الأطفال، إذ لا تقتصر أضرارها على الإصابات الجسدية فحسب، بل تمتد آثارها لتطال مسيرتهم التعليمية وصحتهم النفسية، ففي قرية جبلية نائية على الشريط الحدودي في إقليم كوردستان، أدى انفجار لغم أرضي إلى تغيير حياة فتى في السادسة عشرة من عمره، محولا مسيرته الدراسية إلى تحد يومي، ومخلفا آثارا نفسية طالت أسرته بأكملها.
سيروان نابي، من منطقة سيدكان بمحافظة أربيل، كان يرعى الأغنام قرب منزله في تموز/ يوليو 2023، حين لمح جسما صغيرا لامعا يشبه الأنبوب الأصفر، وبدافع الفضول التقطه بيده، لينفجر فورا ويتسبب ببتر ذراعه اليمنى وإصابة ساقيه بشظايا ما تزال آثارها ترافقه حتى اليوم.
يقول سيروان، بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو يستذكر اللحظة الفاصلة: "كنت أستخدم يدي اليمنى في الكتابة، وفقدتها في لحظة واحدة"، مبينا أنه لم يتم إبلاغه بقرار بتر ذراعه قبل الجراحة، بل استيقظ ليجد نفسه أمام واقع جديد فرض عليه إعادة تعلم أبسط المهارات، وفي مقدمتها الكتابة.
ولم يكن الحادث مجرد إصابة جسدية، بل مثل نقطة تحوّل حادة في مسيرته التعليمية، فبعد أن كان طالبا منتظما، اضطر إلى التوقف عن الدراسة لفترة، وبدأ رحلة شاقة لتعلّم الكتابة بيده اليسرى ورغم تأخره عن أقرانه، تمكن من اجتياز الصف السابع، ويواصل اليوم دراسته بإصرار.
من جانبه أوضح والد سيروان، قائلا إن "العائلة، التي كانت مستقرة ماليا، أمضت أشهرا في المستشفيات عقب الحادث، ما أثر بشكل مباشر على وضعها الاقتصادي، كما انعكس الحادث على صحة والدته، التي تعاني منذ ذلك الحين من آلام مزمنة في الصدر نتيجة التوتر والحزن".
ولا تزال المخلفات الحربية تشكل خطرًا واسع النطاق في العراق، لا سيما في المناطق الحدودية والريفية.
وتنتشر الألغام والذخائر غير المنفجرة في الحقول والطرقات، حيث يمارس الأطفال أنشطتهم اليومية، من اللعب إلى رعي المواشي أو الذهاب إلى المدرسة، ما يجعلهم من أكثر الفئات عرضة للخطر، خصوصًا مع انجذابهم الطبيعي للأجسام الغريبة أو اللامعة.
ويستخدم سيروان، بحسب لجنة الدولية للصليب الأحمر "اليوم طرفا اصطناعيا حصل عليه بدعم من اللجنة، وهو طرف تجميلي يساعده على تعزيز ثقته بنفسه في الأماكن العامة، مع إمكانية متابعة حالته في مركز إعادة التأهيل البدني بأربيل".
فيما وجه سيروان رسالة كان يتمنى أنه سمعها من قبل: "إذا رأيت أي جسم غريب، حتى لو كان جميلا أو لامعا، يشبه القلم أو الأنبوب، لا تلمسه أبدًا، فقد ينفجر عليك"، داعيا في الوقت ذاته إلى ابلاغ المؤسسة العامة لشؤون الألغام في إقليم كوردستان لاتخاذ اللازم".
وتواصل اللجنة الدولية عملها في العراق منذ عام 1980، مركزة على معالجة آثار النزاعات المسلحة والتوعية بمخاطر الذخائر المنفجرة، إلى جانب دعم الضحايا وتعزيز قدرات الجهات المحلية لمعالجة التلوث بالأسلحة.