شفق نيوز- السليمانية
مع اقتراب فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة تدريجياً في إقليم كوردستان، تعود أزمة تأمين وقود التدفئة إلى واجهة اهتمامات المواطنين، ولا سيما في محافظة السليمانية، حيث قفز سعر برميل النفط الأبيض في السوق إلى نحو 300 ألف دينار، في وقت تعاني فيه الأسر من ضغوط معيشية مرتبطة بتذبذب صرف الرواتب وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وتكشف تقديرات شبه رسمية اطلعت عليها وكالة شفق نيوز، أن أكثر من 1.3 مليون أسرة في محافظات الإقليم تحتاج خلال موسم الشتاء المقبل إلى ما يزيد على 317 مليون لتر من النفط الأبيض، ما يجعل تأمين الوقود بأسعار مناسبة ملفاً يتجاوز مسألة التدفئة ليصبح جزءاً من الإنفاق الأساسي للعائلة خلال الأشهر الباردة.
600 ألف دينار للتدفئة
ويقول المواطن مروان أحمد، لوكالة شفق نيوز، إن أسعار النفط الأبيض في السوق أصبحت تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، ولا سيما مع دخول فصل الشتاء الذي يمتد فعلياً في المناطق الباردة من الإقليم لأربعة أو خمسة أشهر.
ويضيف أن "العائلة قد تحتاج خلال فصل الشتاء إلى نحو 400 لتر على الأقل من النفط الأبيض، ما يعني تخصيص مبلغ يقترب من 600 ألف دينار للتدفئة وحدها وفق أسعار السوق الحالية"، معتبراً أن هذا المبلغ "كبير جداً مقارنة بدخل الأسرة، ولا سيما في ظل تذبذب صرف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة".
ولا تبدو الكهرباء، وفق أحمد، بديلاً اقتصادياً سهلاً أمام العائلات، إذ إن تشغيل المدافئ والسخانات الكهربائية لفترات طويلة يرفع الاستهلاك، وبالتالي قيمة الفواتير وفق نظام العدادات والتسعيرة المرتبطة بحجم الاستهلاك.
ويتابع: "نجد أنفسنا أمام خيارين مكلفين، إما الكهرباء أو شراء النفط الأبيض من السوق"، داعياً حكومتي الإقليم والاتحادية إلى توفير حصة مدعومة من وقود التدفئة لمواطني كوردستان بما يقلل الأعباء خلال أشهر الشتاء.
سوق شبه متوقفة
وفي أسواق السليمانية، يقول برواء صابر، وهو أحد بائعي النفط الأبيض، لوكالة شفق نيوز، إن سعر اللتر يبلغ حالياً نحو 1,300 دينار، ما يجعل قيمة البرميل تقارب 280 ألف دينار، قبل أن تصل إلى نحو 290 ألف دينار لدى المستهلك بعد إضافة أجور النقل والتكاليف الأخرى.
ويشير صابر إلى أن حركة البيع والشراء "شبه معدومة" في الوقت الراهن نتيجة تأخر الرواتب وتراجع القدرة الشرائية، موضحاً أن ارتفاع السعر لا يرتبط بتجار السليمانية وحدهم، وإنما بتراجع الكميات المتاحة في السوق وارتفاع تكاليف الحصول عليها.
ويربط التاجر جانباً من انخفاض المعروض بتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وتوقف أو تراجع عمل عدد من المصافي في إقليم كوردستان، معتبراً أن انخفاض حجم المنتج المتاح أدى إلى ضغط على السوق ورفع الأسعار.
ومع ذلك، يتوقع صابر أن تتراجع الأسعار نسبياً عند بدء توزيع الحصة الحكومية من النفط الأبيض، إذ يؤدي دخول كميات إضافية إلى السوق إلى زيادة المعروض وتقليل الطلب على الوقود التجاري.
السليمانية تحتاج إلى 100–110 ملايين لتر
من جهته، يكشف المتحدث باسم مديرية توزيع المشتقات النفطية في السليمانية، السلام عمر، لوكالة شفق نيوز، أن المحافظة تحتاج، وفق التقديرات، إلى ما يتراوح بين 100 و110 ملايين لتر سنوياً لتأمين توزيع نحو 200 لتر لكل أسرة.
ويوضح أن حصة النفط الأبيض توزع سنوياً على العائلات بسعر مدعوم، حيث يبلغ سعر البرميل نحو 105 آلاف دينار، فيما تبدأ عملية التوزيع عادة خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر وفق التعليمات الصادرة عن وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان.
ويقول عمر: "ننتظر التعليمات الخاصة بآلية التوزيع والكميات والأسعار، ومن المتوقع بصورة عامة أن تبدأ العملية مطلع تشرين الأول في مناطق إقليم كوردستان".
ويرفض المتحدث وصف الوضع الحالي بأنه "أزمة نفط أبيض"، موضحاً أن ارتفاع الأسعار قبل انطلاق الحصة الحكومية يتكرر في المواسم السابقة، وأن زيادة المعروض بعد بدء التوزيع تؤدي عادة إلى تراجع الطلب في السوق التجارية ومن ثم استقرار الأسعار.
ويؤكد أن لدى حكومة الإقليم خططاً لتوفير كميات مناسبة لاحتياجات المواطنين خلال الشتاء المقبل، وخصوصاً في محافظة السليمانية التي تسجل درجات حرارة منخفضة وتحتاج مناطقها الجبلية والريفية إلى كميات أكبر من وقود التدفئة.
317 مليون لتر لأكثر من 1.3 مليون أسرة
وتظهر إحصائية شبه رسمية اطلعت عليها وكالة شفق نيوز أن إجمالي حاجة إقليم كوردستان خلال موسم الشتاء يبلغ 317 مليوناً و590 ألفاً و800 لتر من النفط الأبيض، لنحو مليون و379 ألفاً و163 أسرة.
وتتصدر أربيل الاحتياجات بإجمالي 123 مليوناً و579 ألفاً و400 لتر لنحو 532 ألفاً و670 أسرة، بينها 89 مليوناً و488 ألفاً و600 لتر للمناطق الحضرية، و34 مليوناً و90 ألفاً و800 لتر للمناطق الريفية.
أما السليمانية وحلبجة فتحتاجان، بحسب الأرقام ذاتها، إلى 112 مليوناً و812 ألفاً و600 لتر لنحو 508 آلاف و165 أسرة، بينها 90 مليوناً و453 ألفاً و400 لتر لسكان المدن، و22 مليوناً و359 ألفاً و200 لتر للأرياف، لتسجلا بذلك أعلى كمية مخصصة لسكان المدن بين محافظات الإقليم.
وتأتي دهوك بإجمالي 81 مليوناً و198 ألفاً و800 لتر لنحو 338 ألفاً و328 أسرة، بواقع 54 مليوناً و132 ألفاً و400 لتر للمدن و27 مليوناً و66 ألفاً و400 لتر للريف، مع ارتفاع نسبي في حصة الأسر الريفية مقارنة ببقية المحافظات.
وتستند التقديرات إلى حاجة تقارب 200 لتر للأسرة الحضرية و400 لتر للأسرة الريفية، في ظل حاجة المناطق الريفية والجبلية إلى تدفئة أكبر نتيجة انخفاض درجات الحرارة وطول موسم البرد.
فجوة بين الحصة والحاجة الفعلية
لكن الأرقام تكشف عن جانب آخر من المشكلة؛ فتخصيص 200 لتر للعائلة قد يوفر الحد الأساسي من الوقود، لكنه لا يغطي بالضرورة كامل استهلاك أسرة تعتمد بصورة رئيسية على النفط الأبيض طوال أربعة أو خمسة أشهر من الشتاء.
وهنا تظهر الفجوة بين الحصة الحكومية المدعومة وبين الاستهلاك الفعلي، وهي فجوة تضطر الأسر إلى سدها من السوق التجارية بأسعار أعلى بكثير.
وبحساب الأسعار التي تحدث عنها التجار، فإن شراء 400 لتر بسعر 1,300 دينار للتر يعني إنفاق نحو 520 ألف دينار على الوقود نفسه، من دون احتساب بعض تكاليف النقل والتوصيل، بينما شراء الكمية نفسها على أساس سعر الحصة المدعومة البالغ نحو 105 آلاف دينار للبرميل يخفض العبء بصورة كبيرة.
وهذا الفارق يجعل موعد توزيع الحصة وكميتها وسعرها عوامل مؤثرة مباشرة في ميزانية مئات آلاف الأسر، كما يجعل أي تأخير في التوزيع فرصة لارتفاع الطلب على السوق التجارية.
الشتاء اختبار للسوق والحكومة
وبين مواطن يخشى تخصيص جزء كبير من دخله للتدفئة، وتاجر يشكو ضعف المبيعات وقلة المعروض، وجهة حكومية تتوقع استقرار السوق بمجرد بدء التوزيع، يدخل ملف النفط الأبيض موسماً جديداً تتداخل فيه أزمة الدخل مع ارتفاع تكاليف الطاقة.
وتضع حاجة تتجاوز 317 مليون لتر حكومة إقليم كوردستان أمام تحدي توفير الوقود في الوقت المناسب، وضمان وصول الحصة إلى أكثر من 1.3 مليون أسرة، ولا سيما في المناطق الجبلية والريفية التي يصعب فيها الاستغناء عن الوقود التقليدي.