شفق نيوز- السليمانية
في إحدى زوايا أسواق السليمانية، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات العابرين، يقف الشاب الكوردي عطا صالحي، الثلاثيني من كورد إيران، حاملاً آلة موسيقية غير مألوفة للوهلة الأولى، إنها كمنجة، لكن بهيئة مكنسة، في تجربة فنية يقول إنها تحمل أبعاداً روحية ونفسية وبيئية في آنٍ واحد.
صالحي، الذي قدم إلى السليمانية قبل مدة، اعتاد أن يعزف في أسواق المدينة وأسواق كرماشان، فضلاً عن مناطق كوردية في تركيا، مستخدماً آلات موسيقية ذات تصاميم غير تقليدية، غير أنها كما يؤكد تشترك في رسالة واحدة.
ويقول صالحي لوكالة شفق نيوز، إن "الموسيقى كما تريح البال وتنعش النفس، فإن النظافة أيضاً تمنح الإنسان راحة داخلية وسكينة، ولهذا صنعت الكمنجة بهيئة مكنسة، لأقول إن كل ما يخدم الإنسان يحمل قيمة جمالية وروحية، حتى وإن بدا بسيطاً".
ويشير إلى أن اختياره للمكنسة لم يكن عفوياً، بل أراد من خلاله تسليط الضوء على أهمية النظافة بوصفها جزءاً رئيسياً من نظام حياة الإنسان، مبيّناً أن "الأدوات التي يستخدمها عمّال النظافة ليست مجرد أدوات عمل، بل رموز لوعيٍ بيئيّ يجب أن يترسخ في المجتمع".
ويتابع صالحي، أن كل آلة يصنعها تحمل دلالة خاصة، موضحاً أن "الفن ليس شكلاً فقط بل رسالة، حين أعزف، أحاول أن أدمج بين البعد الروحي والاجتماعي والبيئي، وأربط الموسيقى بحياة الناس اليومية".
ويعتمد الفنان الشاب على فن الشارع مصدراً للرزق، إذ يعزف مقابل ما يجود به المارة من مبالغ مالية، مؤكداً أن الإقبال في السليمانية "جيد وملحوظ"، ولا سيّما مع تزايد الاهتمام بفن الشارع الذي يمتزج بقضايا إنسانية وبيئية.
ويشير إلى أن الجمهور يتفاعل مع الفكرة قبل اللحن أحياناً، مضيفاً أن "الناس تبتسم حين ترى الكمنجة على شكل مكنسة، ثم تتأمل الفكرة، وهذا بحد ذاته نجاح للرسالة".
ويختم صالحي حديثه بالتأكيد على أن الفن قادر على إعادة تعريف الأشياء اليومية، قائلاً: "أحاول أن أقول إن كل شيء حولنا يمكن أن يكون موسيقى، إذا نظرنا إليه بوعي، النظافة ليست عملاً روتينياً فحسب، بل سلوك حضاري ينعكس على النفس والبيئة معاً".
وتشهد أسواق السليمانية خلال السنوات الأخيرة حضوراً متنامياً لفناني الشارع، في مشهدٍ يعكس حيوية ثقافية متجددة، ويمنح الفضاء العام مساحة للتعبير الفني الذي يتقاطع مع قضايا المجتمع والبيئة.