شفق نيوز- السليمانية
لم يكن المشهد هذا الموسم اعتيادياً في محيط دوكان، فمع توالي موجات الأمطار وارتفاع معدلات الهطول، بدأت الأرض تستعيد نبضها تدريجياً، وعادت المياه لتشق طريقها بين الصخور والتلال، معلنة عودة الحياة إلى عدد من الينابيع التي غابت طويلاً.
ووفق متابعات ميدانية أجرتها وكالة شفق نيوز، فإن كميات الأمطار المسجلة في المنطقة أسهمت في رفع منسوب المياه، ما أدى إلى تنشيط عدد من الينابيع وظهور تدفقات مائية موسمية، كان أبرزها شلال باداوان، الذي لا يظهر إلا في سنوات الوفرة المطرية.
عدسة الوكالة وثّقت المشهد عن قرب، مياه تنحدر فوق الصخور الداكنة بخطوط متلألئة، فيما استعادت الأرض المحيطة لونها الأخضر تدريجياً، وكأن الطبيعة تعيد ترتيب ملامحها بعد سنوات من الشح، في صورة تجمع بين الهدوء والحيوية، وتمنح المكان جاذبية بصرية لافتة لا تتكرر إلا في مواسم استثنائية.
وفي تطور متصل، تواصل مناسيب المياه في بحيرة سد دوكان تسجيل ارتفاعات متسارعة، مع اقترابها من بلوغ السعة الخزنية القصوى، حيث تشير معلومات حصلت عليها الوكالة إلى أن الفارق المتبقي لامتلاء البحيرة يُقدّر بنحو 9 أمتار فقط، فيما ارتفع المنسوب بمقدار 32 سنتيمتراً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، نتيجة استمرار تدفق الإيرادات المائية القادمة من الأمطار والسيول في مناطق إقليم كوردستان، الأمر الذي عزز واردات السد، باعتباره أحد أبرز المصادر الحيوية للمياه والطاقة في الإقليم.
ولا يقتصر هذا التحول على ارتفاع مناسيب المياه فحسب، بل يمتد ليشمل تأثيراً بيئياً واضحاً، إذ تسهم عودة الينابيع والشلالات في إنعاش الغطاء النباتي، وتحسين خصائص التربة، واستعادة جزء من التوازن الطبيعي الذي تأثر خلال سنوات الجفاف.
فيما تضفي الشلالات الموسمية، مثل شلال باداوان، مشاهد حية تتدفق فيها المياه بانسيابية بين التكوينات الصخرية، لتشكل عنصر جذب طبيعياً يلفت الأنظار ويعزز من القيمة الجمالية للمنطقة.
ورغم هذا الانتعاش، تؤكد المعطيات أن النشاط الحالي يتركز ضمن نطاق دوكان، ولا يشمل بالضرورة جميع المناطق القريبة من رانية أو كويسنجق، حيث ما تزال بعض الينابيع هناك تعاني من ضعف التدفق أو الجفاف، نتيجة اختلاف مصادر التغذية المائية وطبيعة التكوينات الجغرافية، في وقت تتدفق فيه بعض الينابيع بين باداوان وكاني وتمن من أعماق الجبال، لتأخذ مساراتها نحو بحيرة دوكان، مساهمة في تغذيتها بشكل مباشر.
ويفتح هذا المشهد الطبيعي المتجدد الباب أمام تنشيط السياحة البيئية في المنطقة، خاصة مع تزايد الإقبال على الوجهات الطبيعية خلال فصل الربيع، حيث يمكن لهذه الشلالات والينابيع أن تتحول إلى نقاط جذب رئيسية خلال الفترة القريبة، غير أن استثمار هذه الفرصة يبقى مرتبطاً بمدى جاهزية البنية التحتية والخدمات الأساسية، من طرق ومرافق وتنظيم للمواقع، بما يضمن استدامة هذه الموارد الطبيعية وحمايتها من التدهور أو الاستخدام العشوائي.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى مختصون أن ما تشهده دوكان اليوم يمثل فرصة مزدوجة، بيئية وسياحية، قد تسهم في دعم الاقتصاد المحلي إذا ما أُحسن استثمارها، خاصة أن استمرار هذه الظواهر مرهون بتكرار المواسم المطرية، ما يجعل من الإدارة الواعية للموارد الطبيعية عاملًا حاسماً في تحويل هذا الانتعاش المؤقت إلى واقع مستدام.