شفق نيوز- واشنطن

تناول تقرير لشبكة "سي أن أن" الأميركية، يوم الأربعاء، تداعيات انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب المحتمل من الحرب مع إيران دون الإطاحة بالنظام فيها، أو فتح مضيق هرمز، أو حتى التوصل إلى اتفاق لوقف الهجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

وأشار التقرير الذي اطلعت عليه وكالة شفق نيوز، إلى أن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون النظام الإيراني أكثر جرأة خاصة مع امتلاكه مواداً نووية، فيما سوف يتحول "هرمز" إلى أداة حرب، مع بقاء أمن دول الخليج دون معالجة، بينما سوف تواصل إسرائيل شن الضربات وحدها دون حسم الجبهة خاصة مع لبنان.

وذكرت الشبكة في مستهل تقريرها أن ترمب يُلمّح إلى احتمال انسحابه من الحرب مع إيران، متخذاً خطوة أحادية الجانب بالخروج منها، وقد تفاخر بأن "الجزء الصعب قد أُنجز"، مبدياً تفاؤله بأن مثل هذه الخطوة من شأنها تخفيف العبء الاقتصادي الذي تسببت فيه الهجمات الإيرانية على حركة الملاحة في الخليج والبنية التحتية للطاقة، مما أثر سلباً على المستهلكين في الولايات المتحدة وحول العالم.

وأضاف التقرير: غير أن إيران أصرّت على أنها هي من سيختار توقيت انتهاء الحرب، ولا تُبدي أي مؤشرات على الاستسلام ما لم توافق الولايات المتحدة على مطالبها.

وصرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أمس الثلاثاء، بأن طهران ترفض "المواعيد النهائية" وهي مستعدة لمواصلة القتال لمدة "6 أشهر على الأقل".

واستعرض التقرير لما قد يكون الجزء الصعب من هذه الحرب أبعد ما يكون عن النهاية، قائلاً إن ذلك يتمثل في أربعة أسباب، الأول هو أن النظام الإيراني بات أكثر جرأة ويمتلك مواداً نووية.

وتابع، أن ترمب أعلن، أمس الثلاثاء، أن "هدفه الوحيد" المتمثل في منع إيران من تطوير سلاح نووي "قد تحقق". ورغم أن الولايات المتحدة قد قصفت العديد من المنشآت النووية الإيرانية، فإن مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب - الذي يمكن استخدامه لصنع قنبلة نووية - لا يزال مجهولاً.

وعلى الرغم من تأكيد ترمب بأن "الأشخاص المختلفين تماماً" الذين يحكمون إيران حالياً هم "أكثر عقلانية بكثير"، فإن لدى الخبراء أسباباً تدعوهم للاعتقاد بأن احتمالية سعي إيران لامتلاك قنبلة نووية باتت الآن أكبر مما كانت عليه قبل الحرب.

فقد قُتل المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي - الذي كان قد أصدر فتوى تحرّم تطوير السلاح النووي - على يد الولايات المتحدة وإسرائيل. والآن، يطالب المتشددون داخل البلاد بـ"تسليح" البرنامج النووي، مبررين ذلك بأن وضع إيران كدولة يمكنها التحول لقوة نووية سريعاً لم يشكل رادعاً فعالاً لمنع الهجمات.

وإذا فشلت في الإطاحة بالجمهورية الإسلامية، ستكون الولايات المتحدة قد تركت خلفها نظاماً أكثر تشدداً بكثير، حيث يجري تقويض سلطة القادة المدنيين لصالح الحرس الثوري الإسلامي.

ومن المرجح أن يعمل الحرس الثوري على جعل إيران أكثر انغلاقاً وعزلة، وأن يشدد بشكل كبير من حملة القمع ضد الحريات وأصوات المعارضة.

وأشار التقرير إلى أن السبب الثاني يتمثل في استمرار الفوضى الاقتصادية العالمية مع تحول "هرمز" إلى أداة حرب، مبيناً أن الانسحاب المبكر من الحرب مع إيران سيُعد، فعلياً، بمثابة إقرار بفشل واشنطن في فتح مضيق هرمز، سواء عبر الضغوط الدبلوماسية أو العسكرية.

وصرح ترمب بأن أسعار الوقود ستشهد "انهياراً حاداً" عقب انسحاب الولايات المتحدة، مبرراً ذلك بأن الولايات المتحدة تستورد قدراً ضئيلاً نسبياً من الطاقة من منطقة الشرق الأوسط، ولذلك فإن مسؤولية تأمين الممر المائي ينبغي أن تقع على عاتق تلك الدول التي تعتمد على هذه الواردات.

غير أن الأسواق لا تسير وفق هذا المنطق، فالسعر الذي يدفعه الأميركيون عند محطات الوقود يتحدد بناءً على معطيات السوق العالمية، بصرف النظر عن مصدر الوقود، وبالتالي فإن أي صدمة في المعروض – إن لم تتم معالجتها – ستؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار داخل الولايات المتحدة.

إن الانسحاب دون التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح المضيق سيمثل فعلياً نصراً لإيران في مساعيها لفرض سيادتها على هذا الممر المائي، مما يمنحها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي وسلطة تفوق بكثير ما كانت تمتلكه سابقاً.

كما أن إخضاع السفن العابرة للمضيق لإجراءات الفحص والتدقيق الإيرانية – وما نُشر من تقارير عن فرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار على السفينة الواحدة – يُنذر بأن يصبح هو "الوضع الطبيعي الجديد"، مما يخلق لإيران مصدراً جديداً للإيرادات في الوقت الذي تخوض فيه حرباً لم تُبدِ أي نية حقيقية لإنهائها.

ومن المفارقات، بحسب التقرير، أن تعزيز إيران لسيطرتها قد يتيح، نظرياً، تدفق كميات أكبر من النفط إذا ما اختارت المزيد من الدول طلب الإذن من طهران لعبور المضيق، مما قد يوفر بعض التخفيف لحدة ارتفاع الأسعار.

غير أن هذا الأمر سيؤسس لسابقة تفتقر إلى أي سند قانوني في القانون الدولي، كما سيثير تساؤلات جادة حول مدى فعالية "النظام البحري القائم على القواعد".

ويشير الخبراء إلى أنه حتى في حال استئناف إمدادات النفط، فقد يستغرق الأمر وقتاً يصل إلى أسابيع أو أشهر قبل أن ينعكس انخفاض الأسعار على التكلفة التي يدفعها المستهلكون عند محطات الوقود.

ولفتت "سي أن أن" إلى أن السبب الثالث يتمثل في أمن دول الخليج الذي سوف يظل دون معالجة، موضحة أن إيران خرقت "تابوهين" في تعاملها مع جيرانها العرب في الخليج خلال الحرب، فقد شنت هجمات مباشرة على أراضيهم للمرة الأولى، معاقبة لهم على تصرفات حليفهم الأميركي، كما أغلقت فعلياً مضيق هرمز أمام شحناتهم النفطية، لتمنعهم بذلك من شريان حياة اقتصادي حيوي.

وتنظر دول الخليج إلى هذين الأمرين باعتبارهما تهديدين وجوديين، لذا فإن الخروج السريع من الحرب دون التوصل إلى اتفاق قد يتركها عرضة لتكرار الهجمات لسنوات قادمة.

كما من شأن ذلك أن يمنح إيران نفوذاً كبيراً عليها، مما يسمح لها بفرض الشروط التي يمكنهم بموجبها تصدير النفط، مع الإبقاء في الوقت ذاته على التهديد بشن المزيد من الضربات الصاروخية على مدنهم في حال رفضوا الامتثال لمطالب الجمهورية الإسلامية التي تزداد عدوانية.

ومن المرجح أيضاً أن يثير هذا السيناريو تساؤلات حول "الصفقة الضمنية" التي تربط الاستثمارات الخليجية والاصطفاف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بضمان استمرار الحماية الأميركية.

فعندما زار ترمب قطر كجزء من أولى جولاته خلال ولايته الثانية، صرّح قائلاً: "سنقوم بحمايتكم"، وذلك في الوقت الذي تعهدت فيه دول الخليج بتقديم تريليونات الدولارات في صورة استثمارات داخل الولايات المتحدة.

وبحسب التقرير، فإن من شأن أي خروج متسرع يترك دول الخليج لتواجه مصيرها بمفردها أن يُنظر إليه، على الأرجح، باعتباره خيانة لهذا التعهد.

أما السبب الرابع والأخير فهو بحسب الشبكة الأميركية أن إسرائيل قد تواصل شن الضربات على إيران ولبنان، حيث إن الموقف الذي ستجد إسرائيل نفسها فيه عقب أي انسحاب أميركي متسرع من الحرب قد يُشكل المسار المستقبلي للصراع برمته.

ففي كل من لبنان وغزة، واصلت إسرائيل شن الضربات ضد خصومها حتى بعد الموافقة على اتفاقيات وقف إطلاق النار، متذرعة بوقوع انتهاكات من الجانب الآخر.

وكانت إسرائيل قد ألمحت، في وقت مبكر من الصراع الأخير مع إيران، إلى أنها تسعى لتقويض النظام الإيراني بشكل جوهري – إن لم يكن الإطاحة به تماماً، وبالتالي، فإن أي انسحاب أميركي يترك "الجمهورية الإسلامية" قائمة قد يضع إسرائيل أمام ما تعتبره "مهمة لم تكتمل بعد".

غير أن واشنطن قد أثبتت في السابق قدرتها على كبح جماح إسرائيل متى شاءت ذلك. فخلال الصراع السابق بين إسرائيل وإيران في حزيران/ يونيو 2025، وحين تحرك ترمب لإنهاء الصراع، صرّح بأنه أجبر إسرائيل على استدعاء طائراتها المقاتلة التي كانت قد انطلقت بالفعل في طريقها لشن ضربات على إيران.

وحتى لو أوقفت إسرائيل ضرباتها ضد إيران، فلا يوجد ما يضمن أن تبادلها طهران الخطوة ذاتها. فبعد تعرضها لاستهداف إسرائيلي مرتين في غضون شهور، من المرجح أن تسعى إيران للحصول على ضمانات بعدم تعرضها للهجوم مجدداً، وهو أمرٌ يُستبعد تحققه دون التوصل إلى نهاية رسمية للحرب عبر مسار تفاوضي.

كما دأبت إيران مراراً وتكراراً على الإصرار على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل من شأنه أن يضع حداً للأعمال القتالية في لبنان.

وخلص تقرير "سي أن أن" الى القول إنه من غير المرجح أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى حسم تلك الجبهة، إذ كثّفت إسرائيل حملتها هناك عقب ضربات حزب الله الداعمة لإيران، وتخطط لتسوية مساحات واسعة من جنوب البلاد بالأرض والسيطرة عليها، حتى ترى أن تهديد حزب الله قد تم القضاء عليه.