شفق نيوز- كركوك

أثار إعلان انضمام محافظة كركوك إلى اتحاد بلديات العالم التركي، عبر زيارة محافظها محمد سمعان آغا إلى أنقرة، جدلا كبيرا في الأوساط السياسية، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد لهذه الخطوة التي يمكن أن توفر استثمارات ومشاريع، وبين من رفضها لكون تتعلق بمستقبل المحافظة "المتنازع عليها".

وكان نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، كورشاد زورلو، أعلن انضمام محافظة كركوك رسمياً إلى "اتحاد بلديات العالم التركي"، وذلك خلال اجتماع عقده الاتحاد في مدينة كارامان التركية.

وقال زورلو إن عضوية كركوك أُقرت بصورة نهائية خلال الاجتماع الذي انعقد الجمعة، معتبراً أن الخطوة ستفتح المجال أمام توسيع التعاون بين المحافظة وبلديات الدول التركية في عدد من المجالات الخدمية والاقتصادية.

ويعد "اتحاد بلديات العالم التركي" منظمة تضم بلديات وإدارات محلية من تركيا وعدد من الدول والمناطق ذات الروابط التركية، وتركز على تبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع مشتركة بين أعضائها.

فيما اكدت محافظة كركوك، أن العضوية في الاتحاد تمثل فرصة لتوسيع التعاون مع البلديات والإدارات المحلية، بما يسهم في تنفيذ مشاريع خدمية وتنموية تعود بالنفع على أبناء المحافظة.

وحول هذا الانضمام، يقول نائب رئيس مجلس المحافظة، نشأة شاهويز، إن المجلس لم يطلع حتى الآن على طبيعة الاتفاقات التي أبرمت خلال الزيارة.

وأضاف شاهويز، لوكالة شفق نيوز: لم تتح لنا حتى الآن فرصة لقاء المحافظ، لذلك لا نعرف حجم الاتفاقات التي أبرمت مع الجانب التركي، وسنطلع على تفاصيلها بعد عودته إلى كركوك".

وتابع: من وجهة نظري أرحب وأشجع أي مشروع أو اتفاقية تهدف إلى تطوير واقع مدينة كركوك، وبالتأكيد فإن الاستثمارات الأجنبية ستوفر فرص عمل لأهالي المحافظة، لكننا لا نعرف حتى الآن حجم أو طبيعة هذه المشاريع، لذلك طلبت من رئيس مجلس المحافظة استضافة المحافظ حتى تكون لدينا رؤية واضحة بشأن العقود المبرمة.

ويُعد اتحاد بلديات العالم التركي (TDBB) منظمة دولية تضم البلديات والإدارات المحلية في الدول والمناطق الناطقة باللغات التركية، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين أعضائها من خلال تبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات الإدارة المحلية والبنى التحتية والخدمات والتنمية الحضرية والبيئة والثقافة والسياحة والتدريب، فضلاً عن دعم برامج التنمية المحلية والاستثمار بين المدن الأعضاء.

ويضم مجلس إدارة الاتحاد 45 ممثلاً عن 16 دولة وإقليماً، بينها تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان والبوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو ومقدونيا الشمالية ولبنان وصربيا وجمهورية تتارستان، ويُعد أعلى هيئة تنفيذية فيه والمسؤولة عن رسم سياساته والإشراف على برامجه ومشاريعه المشتركة.

من جانبه، قال رئيس لجنة المالية والاقتصاد والتجارة والاستثمار في مجلس المحافظة، رعد صالح، إن زيارة محافظ كركوك إلى تركيا تندرج ضمن الزيارات الرسمية التي تهدف إلى إبرام اتفاقيات وبروتوكولات تعاون في مختلف القطاعات.

وأضاف أن "العبرة ليست بتوقيع الاتفاقات، وإنما بمدى تنفيذها على أرض الواقع وتحويلها إلى مشاريع تخدم المحافظة"، مبيناً أن المحافظ أعلن عن اتفاق يتعلق بانضمام كركوك إلى اتحاد بلديات العالم التركي، إلا أن المجلس لا يمتلك حتى الآن تفاصيل هذا الاتفاق أو طبيعة الالتزامات التي تترتب عليه.

وأكد صالح أن مجلس المحافظة سيناقش المحافظ بعد عودته للاطلاع على جميع الاتفاقات التي أبرمت، وفهم أهدافها وآليات تنفيذها، بما يضمن ممارسة المجلس لدوره الرقابي ومتابعة انعكاس تلك الاتفاقات على واقع كركوك.

في المقابل، أبدى الحزب الديمقراطي الكوردستاني موقفاً مغايراً، إذ أكد القيادي في الحزب كاوه أحمد فتح الله، في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن قضية كركوك وحدودها الإدارية ترتبط بالمادة (140) من الدستور العراقي، والتي تمثل، بحسب وصفه، خارطة الطريق الوحيدة لمعالجة أوضاع المحافظة.

وأكمل: كركوك شهدت خلال العقود الماضية سياسات تعريب واستيلاء على الأراضي والممتلكات وتهجيراً للسكان، وصولاً إلى حملات الأنفال، معتبراً أن معالجة هذه الملفات يجب أن تتم وفق الأطر الدستورية والقانونية.

وبين أن "القرارات المتعلقة بكركوك التي تُتخذ من خارج المحافظة ومن دون إرادة أبنائها لن تحقق الاستقرار"، مشيراً إلى أن الكورد عملوا بعد عام 2003 على ترسيخ التعايش بين مكونات المحافظة وإدارتها بالشراكة، إلا أن الحلول الفوقية، بحسب تعبيره، لا تسهم في معالجة الخلافات.

وشدد فتح الله على أن الحل يكمن في تطبيق المادة (140) من الدستور، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وإرجاع الحدود الإدارية لمحافظة كركوك إلى ما كانت عليه قبل سبعينيات القرن الماضي، بما يشمل إعادة الأقضية والنواحي التي اقتُطعت منها.

وتُعد كركوك واحدة من أكثر المدن تنوعاً وحساسية من الناحية القومية والسياسية، إذ تضم مكونات كوردية وتركمانية وعربية، إلى جانب الكلدان والآشوريين ومكونات أخرى.

وينظر الكورد إلى كركوك بوصفها جزءاً تاريخياً من كوردستان، وكثيراً ما يصفها قادتهم بأنها "قلب كوردستان" أو "قدس كوردستان"، ويطالبون بـإلحاقها بإقليم كوردستان وفق الآليات الدستورية، في المقابل، يعدّ التركمان المدينة مركزاً تاريخياً رئيسياً لوجودهم في العراق، بينما تؤكد القوى العربية عراقية كركوك وترفض ضمها إلى الإقليم.

وتعرضت كركوك ومناطق أخرى ولا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي، لسياسات تعريب نفذها نظام حزب البعث بهدف تغيير التركيبة السكانية وتعزيز سيطرة الحكومة المركزية على المنطقة الغنية بالنفط. وشملت تلك السياسات تهجير أعداد كبيرة من الكورد والاستيلاء على ممتلكاتهم، وتوطين عائلات عربية قدمت من محافظات وسط وجنوب العراق.

وبعد سقوط النظام السابق عام 2003، أصبحت كركوك في مقدمة ما يعرف دستورياً بـ"المناطق المتنازع عليها" بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، ونصت المادة 140 من الدستور العراقي على استكمال إجراءات التطبيع، ثم إجراء تعداد سكاني، يعقبه استفتاء لتحديد إرادة سكان كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، وكان يفترض إنجاز هذه المراحل في موعد أقصاه نهاية عام 2007، إلا أن المادة لم تُنفذ حتى الآن.