شفق نيوز- بغداد

تعقد قوى الإطار التنسيقي، الجامع للقوى الشيعية السياسية، مباحثات لمناقشة الانسداد السياسي وسط توقعات بطرح مرشح تسوية بديلاً عن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي.

وقال عضو الإطار التنسيقي أبو ميثاق المساري، لوكالة شفق نيوز، إن "قوى الإطار التنسيقي ستعقد مباحثات تسبق لاجتماع ائتلاف إدارة الدولة المقرر انعقاده منتصف الأسبوع الجاري، بالإضافة إلى مناقشة مسألة الانسداد السياسي في اختيار مرشح رئاسة الجمهورية، ومنح نواب الإطار حرية التصويت لصالح من يرونه مناسباً في حال قدم الكورد مرشحين للمنصب".

ووفقاً للمساري، فإن المباحثات ستناقش أيضاً العلاقات البينية بين مكونات العملية السياسية والحفاظ على "مبدأ احترام الآخر"، في إشارة إلى تصريحات رئيس حزب "تقدم" محمد الحلبوسي ضد المالكي.

وأشار إلى أن "الإطار قد يدعو القوى السياسية ومجلس النواب إلى الانعقاد وانتخاب رئيس الجمهورية، إلى جانب مناقشة التهديدات الأميركية في المنطقة.

وأضاف المساري، أن "ائتلاف إدارة الدولة سيجتمع لمناقشة الالتزام بالتوقيتات الدستورية والعلاقات البينية بين المكونات السياسية، إلى جانب فقرات أخرى".

في غضون ذلك، قالت مصادر داخل الإطار التنسيقي، لوكالة شفق نيوز، أن "المباحثات ستتناول بصورة غير معلنة آلية استبدال نوري المالكي، بشخصية مقبولة أو مرشح تسوية"، مبينة أن "الشخصية المحتملة ستُسمّى وتُزكّى من قبل المالكي حصراً".

وأشارت إلى أن ما يُتداول في كواليس الإطار التنسيقي، يرجّح اسم محمد الخزاعي، إلا أنه قد لا يحظى بتأييد داخلي ودولي.

وتابعت المصادر، حديثها بالقول إن "هناك شخصية يتم التكتم عليها قد يُصار إلى طرحها، أو الذهاب إلى سيناريو الإطار الأول، وهو تسمية حيدر العبادي كمرشح تسوية"، مؤكدة أن "الجميع منشغل في كيفية معالجة الانسداد السياسي وتجنيب البلاد أية تبعات غير محسوبة".

يذكر أن وزارة الخارجية الأميركية قد كشفت لوكالة شفق نيوز، الخميس الماضي، عن موقف حازم وشديد اللهجة تجاه خريطة التحالفات السياسية المقبلة في العراق، مؤكدة أن الإدارة الأميركية مستعدة لاستخدام "مجموعة كاملة من الأدوات" لضمان تنفيذ رؤية الرئيس دونالد ترمب تجاه الملف العراقي ومنع ترشح المالكي لمنصب رئاسة وزراء العراق.

كما أفادت وكالة "بلومبرغ" الأميركية، الثلاثاء الماضي، بأن واشنطن أبلغت مسؤولين عراقيين، خلال الأيام الماضية، أنها قد تقلص وصول العراق إلى عائدات صادرات النفط إذا تم تعيين نوري المالكي رئيساً للوزراء، في ظل نظرة الولايات المتحدة إليه باعتباره قريباً من إيران، الأمر الذي زاد من الضغط على الإطار التنسيقي، وفقاً للمراقبين.

وكان زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي قد جدّد تمسكه بالترشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المقبلة، رغم الرفض الأميركي لذلك، مشدداً على أن اختيار رئيس الحكومة شأن وطني خاضع لإرادة الشعب والمؤسسات الدستورية.

الجمود السياسي في إقليم كوردستان: التداعيات والمخاطر

علي حسين فيلي/ يؤدي الجمود السياسي المستمر بين الطرفين الرئيسيين في إقليم كوردستان إلى تعطيل وتأخير القرارات المصيرية المرتبطة بمستقبل الإقليم، بما يضع هيبته ومكانته الخارجية على المحك، في بقعة طالما شكّلت خلال السنوات المنصرمة نموذجاً نسبياً للاستقرار السياسي والأمني.

ويأتي هذا الانسداد السياسي، والتعثر الواضح في تشكيل حكومة الإقليم، امتداداً لخلافات علنية وطويلة الأمد بين القطبين الرئيسيين. ومع استمرار هذا الوضع، أسفر التأخير الذي تجاوز عاماً كاملاً عن فرض تكاليف اقتصادية باهظة، يُقدَّر أن تتراوح بين عدة نقاط مئوية وقد تتجاوز 10% من إجمالي الناتج المحلي للإقليم، في ظل غياب سلطة تنفيذية مكتملة الصلاحيات قادرة على إدارة الملفات الاقتصادية والمالية.

ولا يقتصر أثر الإخفاق في تشكيل الحكومة على الجانب الاقتصادي فحسب، إذ يتقاطع ذلك مع تعطيل البرلمان، وعدم التوافق على مرشح مشترك لرئاسة جمهورية العراق في آن واحد. هذا التراكم في حالات الشلل السياسي والأدوات الدستورية يفرض أعباء سياسية وأمنية واجتماعية متزايدة، ويفتح في الوقت ذاته المجال أمام تصاعد النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تُستغل فجوة القرار لتعزيز أجندات خارجية على حساب إضعاف الموقع التفاوضي ومكانة الإقليم.

وقد أسهمت هذه الأوضاع في خلق أزمة شرعية واضحة، انعكست في تراجع الثقة العامة بالمؤسسات. إذ إن استمرار شلل البرلمان عطّل الدورين التشريعي والرقابي، وأوقف تمرير قوانين حيوية تمسّ حياة المواطنين ومستقبل الإقليم، فيما يُلاحظ حالياً تآكل متزايد في الثقة بالمؤسسات الديمقراطية بوصفها أداة تمثيل وحل للأزمات.

أكثر من عام من الفراغ السياسي والمؤسسي أضعف التمثيل الكوردستاني، وترك الإقليم معلقاً بلا بوصلة واضحة في تعاطيه مع بغداد أو مع محيط إقليمي يشهد تصعيداً وتوتراً متسارعين. وهنا، لا تُقاس الكلفة بالأرقام وحدها، على الرغم من ثقلها، بل تتحول إلى عامل ضغط استراتيجي يعمل ضد الإقليم لا لصالحه، ويحدّ من قدرته على المناورة وحماية مكتسباته.

والأخطر أن استمرار هذا الانسداد يعيد رسم موازين القوة على حساب القرار الكوردستاني، فيما يدفع المجتمع ثمن الأزمة بصمت. ولم يعد السؤال يتمحور حول الجهة التي تسببت في الأزمة بقدر ما بات يتعلق بحجم الفاتورة السياسية والاقتصادية والأمنية التي ستُدفع، قبل أن تتحول الخسائر إلى واقع دائم يصعب تداركه.

في خلاصة المشهد، أن هذا الجمود يرسّخ ثقافة إدارة الأزمة بدل حلّها، ويحوّل الخلافات السياسية إلى نمط حكم دائم، تُدار فيه الملفات الحساسة بمنطق الانتظار والمساومة لا بمنطق الدولة والمؤسسات. ومع غياب أفق زمني واضح للحل، تتآكل القدرة التفاوضية للإقليم مع بغداد، وتضعف مكانته أمام الشركاء الدوليين، فيما تتعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع. إن استمرار هذا المسار لا يعني فقط خسارة فرص التنمية والاستقرار، بل يهدد بإعادة تعريف الإقليم ككيان قابل للاختراق، بعد أن كان يُقدَّم لسنوات بوصفه مساحة استثناء في محيط مضطرب.

الأخطر أن هذا الانسداد قد يعيد رسم موازين القوة على حساب القرار الكوردستاني، حيث يدفع مجتمع الثمن بصمت. لكن السؤال الحقيقي لم يعد من تسبب بالأزمة، بل كم ستكون فاتورتها قبل أن تتحول إلى أمر واقع لا يمكن تداركه.

وما يزيد خطورة المشهد أن هذا الجمود يرسّخ ثقافة إدارة الأزمة بدل حلّها، ويحوّل الخلافات السياسية إلى نمط حكم دائم، حيث تُدار الملفات الحساسة بمنطق الانتظار والمساومة لا بمنطق الدولة والمؤسسات. ومع غياب أفق زمني واضح للحل، تتآكل القدرة التفاوضية للإقليم مع بغداد، وتضعف مكانته أمام الشركاء الدوليين، فيما تتعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع. استمرار هذا المسار لا يعني فقط خسارة فرص تنمية أو استقرار، بل يهدد بإعادة تعريف الإقليم ككيان هش قابل للاختراق، بعد أن كان يُقدَّم لسنوات بوصفه مساحة استثناء نسبي في محيط مضطرب.

كشف المحلل السياسي مرهان شيخ رؤوف، في حديث خاص لمراسل وكالة شفق نيوز، أن السبب الرئيس وراء تأخر تشكيل حكومة إقليم كردستان، رغم مرور أكثر من عام وأربعة أشهر على انتخابات برلمان الإقليم، يعود إلى غياب دستور دائم ينظم العملية السياسية ويحدد التوقيتات الدستورية لحسم المناصب السيادية وتشكيل الحكومة، كما هو معمول به على المستوى الاتحادي في بغداد.

وأوضح أن غياب هذا الدستور الخاص باقليم كوردستان جعل مسألة تشكيل الحكومة خاضعة بالكامل للتفاهمات السياسية، وهو ما فتح الباب أمام إطالة أمد المفاوضات، لا سيما مع تصاعد حجم الخلافات بين الأطراف الفائزة في الانتخابات.

وأشار إلى أن هذه الخلافات ألقت بظلالها على الوضع العام في الإقليم وعلى الشارع الكردستاني، في ظل استمرار عمل الحكومة الحالية بصفة تصريف أعمال، الأمر الذي يقيّد قدرتها على حسم العديد من الملفات المالية والقانونية والإدارية.

وبيّن شيخ رؤوف أن أزمة تشكيل حكومة الإقليم تتزامن مع أزمة تشكيل الحكومة الاتحادية، إلا أنه اعتبر من غير المنصف تحميل الكرد وحدهم مسؤولية التعطيل، كما تروج بعض وسائل الإعلام، عبر ربط الأمر بعدم التوافق على منصب رئيس الجمهورية.

ولفت إلى أن هناك أيضاً غياباً للتوافق داخل قوى الإطار التنسيقي بشأن شخصية رئيس الوزراء، فضلاً عن وجود أطراف تستفيد من استمرار التأخير لعدم حسم ملفاتها السياسية بصورة نهائية.

وأكد أن الخلاف حول منصب رئيس الجمهورية يرتبط بعدم وجود توافق نهائي، سواء داخل البيت الكردي أو بين القوى السياسية في بغداد، ما جعل هذا الاستحقاق جزءاً من معادلة سياسية أوسع تتعلق بتوازنات تشكيل الحكومة الاتحادية.

ودعا القوى الكردية إلى تغليب المصلحة العامة على المصالح الحزبية، مشيراً إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني حصل على منصب نائب رئيس مجلس النواب، وهو استحقاق سيادي مهم، ما يستدعي برأيه العمل المشترك مع الاتحاد الوطني الكردستاني للتوصل إلى تفاهمات بشأن بقية الاستحقاقات، وفي مقدمتها منصب رئيس الجمهورية والوزارات المخصصة لحصة الكرد، بما يضمن توحيد الموقف الكردي في بغداد.

وأشار إلى أن تأخير تشكيل الحكومتين في أربيل وبغداد انعكس بشكل مباشر على المواطنين، خصوصاً في ملف رواتب موظفي إقليم كردستان، الذي ما زال يراوح مكانه في ظل غياب حكومتين كاملتي الصلاحيات قادرتين على عقد اتفاقات ملزمة.

واعتبر أن هذا الملف سيكون من بين أولويات أي تسوية سياسية مقبلة عند تشكيل الحكومتين.

وفي سياق المقارنة مع مراحل سابقة، لفت شيخ رؤوف إلى أن حدة الخلافات الحالية لم تكن واضحة بهذا الشكل خلال فترة الرئيس الراحل جلال الطالباني، مبيناً أن تلك المرحلة شهدت تقارباً أكبر في وجهات النظر بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم، ما كان يسهم في حل الإشكالات السياسية خلال فترات زمنية وجيزة. وأوضح أن غياب التوافق والوحدة حالياً، إلى جانب تشابك الأزمات المرتبطة بتشكيل حكومة الإقليم وانتخاب رئيس الجمهورية، جعل المشهد السياسي أكثر تعقيداً مما كان عليه في عهد الطالباني.

وختم بالإشارة إلى احتمال حدوث تغيّرات في المعادلات السياسية داخل الإقليم، خاصة بعد إعلان تحالف بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحراك الجيل الجديد، معتبراً أن هذا التحالف قد يكون أحد عوامل إعادة رسم التوازنات، ولا سيما بعد حسم ملف رئاسة الجمهورية وما يمكن أن يترتب عليه من متغيرات أخرى في المشهدين الكردستاني والعراقي.

—-----------

كشفت المحللة السياسية سوزان محمود، في تصريح خاص لمراسل وكالة شفق نيوز، أن ملف تأخير انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومتين في بغداد وإقليم كردستان يرتبط بأزمات سياسية متراكمة بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم، هما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، مشيرةً إلى أن جذور الخلاف تعود إلى تعثر تشكيل حكومة إقليم كردستان منذ أكثر من عام.

وأوضحت أن تراكم الخلافات السياسية والتنظيمية جعل التوافق على منصب رئيس الجمهورية أكثر تعقيداً، لافتةً إلى أن مرور الوقت من دون حلول يفاقم المشكلات ويخلق عقبات إضافية أمام أي استحقاق سياسي مستقبلي، ما ينذر بأن تكون الأزمة الحالية أكثر صعوبة من الدورات السابقة.

وبيّنت أن الانقسامات لا تتعلق فقط بمنصب الرئاسة، بل تشمل أيضاً تداعيات انتخابات البرلمان العراقي، والتنافس بين الكتل الكردية الفائزة، إضافة إلى ملفات أمنية واقتصادية، من بينها استهداف مواقع حساسة في أربيل والسليمانية، وأزمة الرواتب المستمرة، فضلاً عن غياب رؤية موحدة للتعامل مع بغداد بشأن الاستحقاقات المالية وسيادة الإقليم.

وفي ما يخص تأخير تشكيل حكومة الإقليم، أكدت أن معظم القوى السياسية تتعامل بعقلية حزبية ضيقة بدلاً من رؤية وطنية شاملة، ما أدى إلى أزمة ثقة متبادلة بين الأحزاب نفسها من جهة، وبينها وبين المواطنين من جهة أخرى.

وأضافت أن جوهر الخلاف يتمحور حول توزيع المناصب السيادية، إذ يتمسك الاتحاد الوطني بالحصول على إحدى الرئاسات الأساسية أو وزارة سيادية مثل الداخلية، في حين يتمسك الحزب الديمقراطي بمبدأ “الاستحقاق الانتخابي” ومنح الحصة الأكبر للفائز الأول.

ورجّحت أن المعادلة السياسية التقليدية القائمة على توافق الحزبين قد تتغير هذه المرة، خصوصاً مع تحركات قوى سياسية في السليمانية لتشكيل تحالفات جديدة قد تؤثر على شكل الحكومة المقبلة، مؤكدة أن حسم منصب رئاسة الجمهورية سيحدد مسار تشكيل حكومتي بغداد وأربيل معاً.

كما أشارت إلى أن وجود الرئيس الراحل جلال الطالباني في المراحل السابقة كان عاملاً مهماً في تسهيل التوافقات السياسية، نظراً لعلاقاته المتينة مع مختلف الأطراف الكردية والعراقية، ولا سيما مع مسعود بارزاني، الأمر الذي منح منصب رئاسة الجمهورية ثقلاً سياسياً وقبولاً واسعاً، وهي معطيات ترى أنها لم تعد متوفرة اليوم.

وحذرت من أن استمرار تأخير تشكيل الحكومتين انعكس بشكل مباشر على الشارع اقتصادياً وإدارياً، في ظل تأخر صرف رواتب موظفي الإقليم لعدة أشهر، وتحوّل حكومة الإقليم إلى تصريف أعمال بصلاحيات محدودة، فضلاً عن غياب الموازنة الاتحادية واعتماد الصرف بنظام 1/12، ما تسبب بتأخر رواتب المتقاعدين وذوي الشهداء وارتفاع الضرائب والرسوم.

وختمت بأن التحديات الداخلية تتزامن مع ضغوط وتدخلات إقليمية ودولية، من بينها تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن شكل الحكومة المقبلة في العراق، مؤكدة أن المرحلة الراهنة تتطلب الإسراع في تشكيل حكومة وطنية شاملة قادرة على حماية حقوق جميع المكونات ومعالجة الأزمات المالية والسياسية المتفاقمة، لتجنب تداعيات أكبر على الاستقرار العام في البلاد.