شفق نيوز- بغداد/ بيروت/ صنعاء

قبل أربعة أعوام، في آب/ أغسطس 2022، بات مصطلح "وحدة الساحات" أكثر وضوحاً وتطبيقا على الواقع، خلال المواجهة التي أطلقت عليها حركة "الجهاد الإسلامي" في فلسطين اسم "معركة وحدة الساحات"، في إشارة إلى ترابط جبهات غزة والضفة الغربية والقدس.

لكن المفهوم سرعان ما تجاوز دلالته الفلسطينية، خصوصاً بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ليدخل في خطاب أوسع عن ترابط جبهات إقليمية تمتد من لبنان والعراق إلى اليمن وسوريا.

واليوم، بعد اكتمال خروج القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من العراق في 30 أيلول/ سبتمبر 2026، تبدو "وحدة الساحات" أمام مرحلة جديدة، فالمفهوم لم ينتهِ بالنسبة إلى جميع الفصائل العراقية، لكنه يعيد تشكيل أدواته وفق موازين القوى الجديدة وطبيعة المرحلة المقبلة.

فالانسحاب الأميركي لم ينهِ الجدل حول السلاح، كما لم يضع حداً للانقسام بين فصائل أعلنت استعدادها للعمل ضمن مؤسسات الدولة وأخرى ما زالت ترفض التخلي عن قدراتها المستقلة.

وحدة بأدوات مختلفة

وفي الوقت نفسه، تدخل المنطقة مرحلة معقدة مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران منذ 28 شباط/ فبراير 2026، ما يضع العراق، بحكم موقعه وعلاقاته مع طهران وواشنطن، أمام موازنة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الحرب، مع الحفاظ على علاقاته الإقليمية وحساباته السياسية والأمنية.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، علي علاء الدين، إن هذا الترابط "ما زال قائماً"، مشيراً إلى استمرار الاتصالات والتنسيق، بين إيران والفصائل العراقية وحزب الله اللبناني وأنصار الله اليمنية (الحوثيون).

ويرى علاء الدين خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن التطورات العسكرية الأخيرة فرضت "تكتيكاً مختلفاً"، بحيث تدير كل ساحة مواجهتها وفق ظروفها وتقديراتها، مع بقاء الهدف الاستراتيجي المشترك.

وبذلك، فهو لا يرى في اختلاف مستوى الانخراط بين الجبهات دليلاً على انتهاء المفهوم، وإنما على إعادة تكييفه.

إعادة تشكيل الساحات

وفي العراق لم يعنِ نهاية الوجود العسكري الأميركي نهاية ملف الفصائل المسلحة، فقد أعلنت كتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء التزامهما بالرؤية الحكومية، فيما واصلت كتائب حزب الله وحركة النجباء رفض الالتزام بالمسار نفسه، بحسب الخبير الأمني سيف رعد.

ويضيف رعد لوكالة شفق نيوز، أن التطورات التي شهدتها ساحات أخرى، ولا سيما لبنان، دفعت الحرس الثوري الإيراني إلى إعادة النظر في أساليبه العملياتية والعسكرية، والانتقال من الاعتماد على تشكيلات كبيرة وواضحة إلى مجموعات أصغر مرتبطة بقيادات مباشرة، وتعمل بصورة أكثر استقلالاً عن الفصائل المعروفة.

ويرى رعد أن هذا التحول يرتبط بما شهدته الساحة اللبنانية خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً وما أعقبها من تطورات، مشيراً إلى أن إيران باتت أكثر ميلاً إلى اعتماد مجموعات صغيرة ذات ارتباط مباشر بقيادة الحرس الثوري الإيراني، بدلاً من الاعتماد على تشكيلات كبيرة وواضحة.

ويقول إن اختلاف مستوى الدعم الإيراني بين ساحات المنطقة يمكن فهمه في ضوء هذا التغيير، مشيراً إلى أن إيران لا تريد الانجرار إلى استنزاف طويل، ولذلك قد تتجه إلى دعم مجموعات أصغر تعمل ضمن هيكل يحافظ على مفهوم "وحدة الساحات"، لكن بأسلوب مختلف عن السابق.

ووفقاً لرعد، فإن هذا التحول يجعل الساحة العراقية ذات أهمية خاصة في التصور الإيراني الجديد، نظراً إلى موقع العراق الجغرافي والسياسي وعلاقاته مع إيران.

تحييد الساحة العراقية

في المقابل، تقدم الباحثة في الشأن السياسي، سهاد الشمري، قراءة أكثر تركيزاً على موقف الدولة العراقية.

وتقول الشمري لوكالة شفق نيوز، إن العراق "ليس طرفاً في الحرب الدائرة بين إيران وأميركا"، وإن الحكومة، بدعم من قوى سياسية، تعمل على منع انعكاس الصراع الإقليمي على الأمن والاقتصاد العراقيين.

وتشير إلى أن البلاد دفعت ثمناً اقتصادياً وأمنياً كبيراً خلال السنوات الماضية، وأن تعطيل صادرات النفط أو تعرض المنشآت الحيوية للخطر يمكن أن يضيف أزمات لا تحتاجها بغداد في المرحلة الحالية.

وترى أن الفصائل العراقية لن تكون، في الوقت الراهن، طرفاً مباشراً في المواجهة، مستندة إلى ما تصفه بتفاهمات سياسية داخلية وتعهد حكومي بعدم استخدام الأراضي العراقية منصة للهجمات.

وتعتقد الشمري أن خروج القوات الأميركية غيّر البيئة السياسية والأمنية، وقد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة يصبح فيها رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة المسؤول الرئيسي عن القرار الأمني، بدعم من القوى السياسية التي ترى أن مصلحة العراق تكمن في تجنب تحوله إلى ساحة صراع إقليمي.

وفي اليمن، يقدم عضو تحالف "الأحزاب المناهضة للعدوان" عادل راجح، قراءة مختلفة، قائلاً إن "وحدة الساحات" ما زالت قائمة على المستويات السياسية والعسكرية، وإن التنسيق مستمر بين الفصائل العراقية وحزب الله وإيران واليمن.

لكن راجح يميز في الوقت نفسه بين هذا الإطار الإقليمي وبين طبيعة المعركة اليمنية الحالية، مبيناً لوكالة شفق نيوز، أن المواجهة الجارية في اليمن ذات طابع داخلي، وإن القدرات العسكرية اليمنية تتولى مواجهة الخصوم المحليين والتحشيدات المرتبطة بالسعودية بصورة مستقلة.

وبحسب راجح، فإن هذا لا يعني انتهاء "وحدة الساحات"، بل يعني أن كل جبهة تتحرك وفق ظروفها.

ويخلص إلى القول إن دخول الولايات المتحدة أو إسرائيل بصورة مباشرة في مواجهة مستقبلية مع اليمن يمكن أن يؤدي إلى تفعيل أوسع للمفهوم ومشاركة فصائل عراقية وربما إيران.