شفق نيوز- بغداد
كانت ذات يوم تعج بأصوات الأطفال، وضحكات العائلات، ودفء الذكريات، لكنها اليوم تقف صامتة خلف أبواب مغلقة وجدران متآكلة، بعدما غادرها أصحابها ولم يعودوا إليها.
في أحياء بغداد، تتحول منازل كانت شاهدة على حكايات عائلية طويلة إلى أماكن مهجورة تستوطنها الكلاب السائبة والحشرات والقوارض، فيما يجد الجيران أنفسهم في مواجهة خطر يتسع مع مرور الوقت.
واللافت أن هذه المنازل ليست أبنية أثرية مهملة لم تصل إليها يد الإعمار أو التأهيل، بل هي أملاك خاصة تعود إلى عائلات قد تكون ظروفها أجبرتها على مغادرتها، لتتركها نهباً لعوامل الزمن والإهمال.
مهجورة منذ 23 عاماً
ويقول المواطن صبحي رضوان، أحد وكلاء الدور، إن أسرة كانت تسكن منزلاً في منطقة الكرادة غادرت العراق منذ العام 2003، من دون أن تتمكن من بيع الدار أو تأجيرها.
ويضيف رضوان، لوكالة شفق نيوز، أنه "لم يكن وكيلاً رسمياً عن صاحب العقار، إذ لا توجد بينهما مكاتبات رسمية تخوله التصرف بالدار، لكنه ومن باب حسن الجوار لم يسمح لأحد بشغلها، كما لم يقم بتأجيرها لكونه غير مخول بذلك".
ويتابع أن "صاحب العقار أوصاه بالحفاظ على البيت لحين عودته، نظراً لعلاقة الجوار التي تمتد لأكثر من 20 عاماً"، مؤكداً أنه تواصل مع مالك الدار ووضعه في صورة الخراب الذي وصل إليه المنزل، إلا أن الأخير أخبره بأن عودته ستكون قريبة، وأنه سيقوم بإعادة تأهيله وبنائه من جديد.
وتوجد أعداد غير قليلة من هذه المنازل في عدد من مناطق بغداد وأحيائها، ولا سيما الكرادة واليرموك والمنصور والعطيفية وغيرها، وربما لم تتح لأصحابها فرصة استثمارها، أو ربما لا يرغبون في إشغالها من قبل آخرين، لارتباطها بذكرياتهم وحياتهم السابقة.
منازل للكلاب والحشرات
وتقول المواطنة ياسمين محمد، 35 عاماً، من منطقة المنصور، إن جيرانها، وهم من الديانة المسيحية، تركوا منزلهم عام 2011 وغادروا إلى الولايات المتحدة، بعدما أوصوها خيراً به.
وتشير إلى أن "هذه العائلة لا تملك أقارب في بغداد، فجميع أفرادها من مدينة الموصل، وقد حصلوا على إقامة في ولاية ميشيغان، ولم يعودوا إلى العراق حتى الآن"، مؤكدة أنها "حفظت الوصية، وتقوم بين فترة وأخرى بتنظيف المنزل وغسله بالماء، لكن ذلك غير كافٍ، لأن البيت المتروك تتسلل إليه الكلاب السائبة وتسكنه الحشرات".
وتوضح أنها "تستخدم المبيدات للقضاء على الحشرات الموجودة في المنزل المهجور، خشية وصولها إلى المنازل المجاورة، لكن ذلك لا يعدو كونه حلاً مؤقتاً".
ولا تستطيع الجهات الحكومية استثمار هذه المنازل أو إعادة إعمارها، كونها مملوكة لأشخاص، ولا يجوز التصرف فيها من الناحية القانونية من دون موافقة أصحابها.
ولم تعد المنازل المهجورة والمتهالكة تمثل مجرد تشويه للمشهد العمراني في العاصمة، بل تحولت، بفعل تقادمها وإهمالها، إلى مصدر خطر على الصحة العامة، خصوصاً مع تحول بعضها إلى أماكن لتجمع النفايات والحشرات والحيوانات السائبة.
خطر صحي
وتشكو عائلات عديدة من انتشار الكلاب السائبة والفئران والحشرات داخل هذه المنازل، في ظل صعوبة الوصول إلى أصحابها أو اتخاذ إجراءات تمنع هذه الظواهر.
ويرى المواطن شريف الموسوي، من منطقة المنصور، إنه "لا يعرف الوجهة التي قصدها جاره الذي ترك منزله قبل أكثر من عشر سنوات، من دون أن يخبرهم بشيء".
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يلفت الموسوي، إلى أن "مساحة المنزل تبلغ نحو 400 متر مربع، وهو مشيد بطريقة جيدة، وكان بإمكان صاحبه بيعه أو تأجيره، لكنه فضل تركه على حاله".
ويضيف: "تلقيت اتصالاً مجهولاً قبل نحو أربع سنوات، واتضح لاحقاً أنه صاحب المنزل، الذي أوصاني بالاهتمام به لحين عودته، لكنه لم يعد حتى الآن"، مبيناً أن "حديقة المنزل أصبحت مأوى للكلاب التي تنبح طوال الليل، ولم أجد سبيلاً لطردها، لأن المنزل فارغ ولا يوجد أحد فيه".
بدورها، تقول المواطنة رجاء محسن، من منطقة الكرادة، إن سكان المنطقة "قدموا عدداً من الشكاوى إلى الجهات المختصة لمعالجة مشكلة الكلاب والحشرات التي تتسلل إلى المنزل المهجور المجاور".
وبحسب المواطنة البغدادية، فإن المشكلة لم تعالج بشكل جذري، لأن البيت متروك منذ عدة سنوات، ولا نعرف شيئاً عن صاحبه.
وتدفع الظروف المختلفة بعض أصحاب العقارات إلى ترك منازلهم عرضة للتآكل والتهالك، لتتحول بمرور الوقت إلى أماكن لتجمع الحشرات والديدان والقطط والكلاب، وهو ما يؤثر في الجوار ويلحق أضراراً بالصحة العامة.
وبينما يترك بعض أصحاب هذه المنازل أملاكهم على أمل العودة إليها يوماً ما، تجد الجهات الحكومية نفسها أمام قيود قانونية تمنعها من التصرف في الملكية الخاصة، ما يجعل هذه المنازل عالقة بين غياب أصحابها وتفاقم آثار الإهمال على المناطق السكنية المحيطة بها.