شفق نيوز- أربيل

حين فتحت أبواب الفاتيكان صباح الاثنين الثامن عشر من أيار أمام نيجيرفان بارزاني، لم يكن المشهد مجرد لقاء دبلوماسي في جدول مزدحم، بل محطة جديدة في مسار سياسي يتكرر بهدوء منذ سنوات. 

للمرة الثانية خلال أقل من ثلاث سنوات، جلس رئيس إقليم كوردستان في قلب إحدى أكثر العواصم الرمزية نفوذاً في العالم، الصورة وحدها كانت تحمل معنى أوسع من البروتوكول، حيث رئيس لإقليم محاط بتوازنات بغداد وأنقرة وطهران، يدخل الفاتيكان من بوابة الشريك لا الضيف العابر. 

وبين روما والفاتيكان، بدا نيجيرفان بارزاني وكأنه يواصل بناء دبلوماسية كوردية مختلفة، أقل صخباً من خطابات الشرق الأوسط التقليدية، وأكثر اعتماداً على مفردات الاستقرار والتعايش والعلاقات طويلة الأمد مع الغرب.

من اختبار "داعش" إلى حماية التنوع

منذ صعود تنظيم "داعش" عام 2014، وجدت أربيل نفسها أمام اختبار وجودي وسياسي في آن واحد. كانت الحرب تهدد حدودها، لكنها منحتها أيضاً فرصة لتقديم نفسها شريكاً أمنياً وإنسانياً للغرب. استقبل الإقليم عشرات الآلاف من المسيحيين والإيزيديين وسكان سهل نينوى، وتحولت أربيل إلى ملاذ للنازحين وقاعدة للعمل الدبلوماسي والعسكري والإنساني الدولي.

من تلك اللحظة، بدأ مسار مختلف في علاقات كوردستان مع الفاتيكان وأوروبا. لم يعد الحديث يدور فقط حول الحقوق القومية للكورد أو الخلافات المزمنة مع بغداد، بل حول إقليم قادر على حماية التنوع، واحتواء الأقليات، وتقديم نفسه كنقطة استقرار في بلد أنهكته الحروب والانقسامات.

في هذا الإطار، أعلن بارزاني عقب لقائه البابا ليو الرابع عشر أنه وجه دعوة رسمية إليه لزيارة العراق وإقليم كوردستان، مشيداً بدور الكرسي الرسولي في تعزيز الحوار والتعايش، كما شدد على أن المسيحيين وبقية المكونات الدينية ليسوا جزءاً من تاريخ كوردستان وهويتها فحسب، بل شركاء في مستقبلها أيضاً، مؤكداً أن حماية حقوقهم وكرامتهم ووجودهم الآمن ستبقى من واجبات الإقليم.

هذه التصريحات، على هدوئها، حملت أكثر من رسالة، فهي تخاطب الفاتيكان من زاوية حماية المسيحيين، وتخاطب أوروبا من زاوية الاستقرار.

ولا تأتي هذه الزيارة من فراغ، فقد سبق لنيجيرفان بارزاني أن زار الفاتيكان في نيسان 2023 والتقى البابا فرنسيس، في محطة ركزت على أوضاع العراق وإقليم كوردستان، ومستقبل التعايش الديني، وملف المسيحيين بعد سنوات النزوح والحرب على داعش. 

كما سبق للزعيم الكوردي مسعود بارزاني أن زار الفاتيكان والتقى بابواته في محطات مختلفة، فيما زاره رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني عام 2020 والتقى البابا فرنسيس، في مؤشر إلى أن هذا المسار تحول إلى خط دبلوماسي ثابت لدى قيادة الإقليم. 

أكثر من محطة دينية

ومنذ زيارة البابا فرنسيس التاريخية إلى العراق عام 2021، انتقلت العلاقة بين أربيل والفاتيكان من إطار التضامن الإنساني مع ضحايا العنف إلى قناة سياسية ومعنوية يستخدمها الإقليم لتعزيز صورته في الغرب بوصفه مساحة للتعدد الديني وشريكاً قادراً على حماية ما تبقى من التنوع في العراق.

لكن روما لم تكن محطة دينية فقط، فإيطاليا، في حسابات أربيل، ليست دولة أوروبية عابرة. منذ الحرب على داعش، كانت من أكثر العواصم حضوراً في الإقليم، عسكرياً وإنسانياً ودبلوماسياً. دعمت قوات البيشمركة في التدريب والمشورة ضمن التحالف الدولي، وشاركت في جهود دولية لحماية البنى التحتية الحيوية في العراق، وحافظت على حضور قنصلي واقتصادي وثقافي في أربيل.

لذلك، حملت لقاءات بارزاني مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ووزير الدفاع غويدو كروسيتو ووزير الخارجية أنطونيو تاياني بعداً يتجاوز المجاملات الرسمية، فقد تناولت المباحثات العلاقات بين إيطاليا والعراق وإقليم كوردستان، وبرامج الدعم والمساعدات، والتطورات الأمنية في الشرق الأوسط، وجهود مكافحة الإرهاب، مع التأكيد على خفض التوتر في منطقة تزداد هشاشة.

وتأتي الزيارة في توقيت عراقي وإقليمي حساس، فبغداد منشغلة بتوازنات السلطة، والمنطقة تتحرك تحت ضغط توترات متصاعدة، والعواصم الأوروبية تراقب الشرق الأوسط بقلق متزايد. في هذه اللحظة، تبدو أربيل كأنها تحاول القول إن لها وظيفة تتجاوز حدودها الإدارية، أن تكون نقطة اتصال، ومنصة تهدئة، وحليفاً يمكن الرجوع إليه حين تختلط خرائط النفوذ بالحروب.

وهنا لا تبدو أهمية الدور الذي يحاول بارزاني تكريسه في الخارج منفصلة عن حدود موقع الإقليم نفسه، فهو لا يقدم نفسه زعيماً كوردياً يطلب دعماً سياسياً فقط، بل طرفاً يعرف كيف يحول الجغرافيا المعقدة إلى ورقة اتصال مع الغرب. بين بغداد وطهران وأنقرة، وبين التوترات الإقليمية، تحاول أربيل تثبيت نفسها كنقطة يمكن الوثوق بها حين تتراجع الخيارات السهلة أمام العواصم الغربية.

بهذا المعنى، فإن صور بارزاني في الفاتيكان وقصر الرئاسة الإيطالي ليست مجرد لقطات أرشيفية، إنها جزء من بناء لصورة سياسية يريدها الإقليم لنفسه، تلخص أن كوردستان ليست هامشاً شرق أوسطياً، ولا مجرد ساحة نزاع داخل العراق، بل شريك محلي يملك قابلية للتحاور مع الغرب، وتجربة أمنية وإنسانية يمكن الاستناد إليها في زمن تبحث فيه أوروبا عن شركاء أكثر استقراراً.