شفق نيوز- بغداد
في مثل هذا اليوم قبل 38 عاماً، احتفل العراق في 8 آب/ أغسطس 1988 بما سماه النظام السابق "يوم النصر العظيم"، بعد ثماني سنوات من الحرب مع إيران، في واحدة من أطول وأكثر حروب القرن العشرين استنزافاً في الشرق الأوسط.
وفي ذلك اليوم، أعلنت بغداد انتهاء مرحلة القتال وقبول ترتيبات تنفيذ وقف إطلاق النار بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 598، وحددت الأمم المتحدة لاحقاً ساعة دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 20 آب/ أغسطس.
أما إيران، التي كانت قد وافقت على القرار في تموز/ يوليو، فدخلت نهاية الحرب تحت وطأة خسائر بشرية واقتصادية وعسكرية هائلة، بعدما تمكن العراق خلال الأشهر الأخيرة من استعادة مواقع مهمة، أبرزها شبه جزيرة الفاو.
لكن 8 آب/ أغسطس لم يبق مجرد تاريخ عسكري، فقد تحول إلى عنوان لانقسام عراقي مستمر حول معنى الحرب نفسها، هل كان انتصاراً عسكرياً يستحق الاحتفاء به، أم حرباً عبثية استنزفت العراق وإيران، ومهدت، بصورة غير مباشرة، للأزمات التي قادت العراق بعد عامين فقط إلى غزو الكويت ثم الحصار والحرب وسقوط النظام السابق؟
وبعد 2003، تغير المشهد بصورة جذرية، فالبلدان اللذان خاضا حرباً مدمرة استمرت ثماني سنوات أصبحا شريكين سياسيين واقتصاديين وأمنيين، فيما تحولت إيران من عدو إقليمي للنظام السابق إلى أحد أكثر اللاعبين تأثيراً في العراق، سواء عبر الأحزاب السياسية أو العلاقات الاقتصادية أو الفصائل المسلحة.
واليوم، بينما تدخل المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل شهرها الخامس، بالتزامن مع مفاوضات تقودها سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، يواجه العراق سؤالاً جديداً كيف يحافظ على علاقته مع إيران، وفي الوقت نفسه يمنع أراضيه من التحول إلى ساحة صراع إقليمي؟
وهنا يعود 8 آب/ أغسطس إلى الواجهة، لا بوصفه ذكرى حرب انتهت فقط، وإنما باعتباره مرآة للعلاقة العراقية الإيرانية نفسها.
متى بدأت الحرب؟
وبدأت الحرب رسمياً، في 22 أيلول/ سبتمبر 1980 عندما شن العراق هجوماً جوياً واسعاً على أهداف إيرانية وتقدمت قواته عبر الحدود.
لكن الرواية العراقية التي تشكلت خلال الحرب وضعت تاريخاً أسبق لبدايتها، إذ أشارت إلى أن القصف والمناوشات الحدودية سبق الهجوم العراقي الشامل، ولا سيما في 4 أيلول/ سبتمبر، عندما تعرضت مخافر ومناطق حدودية عراقية للقصف الإيراني.
ويرتبط ذلك بسلسلة طويلة من الخلافات الحدودية والسياسية التي تفاقمت بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وبالتنافس على النفوذ الإقليمي، فضلاً عن الخلاف على شط العرب واتفاقية الجزائر لعام 1975.
وكان العراق قد وقع الاتفاقية مع إيران في عهد الشاه، وقبل بتقاسم خط التالوك في شط العرب، قبل أن يعلن صدام حسين في 17 أيلول/ سبتمبر 1980 إلغاء الاتفاقية من جانب واحد، في خطوة سبقت الحرب بأيام.
لكن الأسباب لم تكن حدودية فقط، فالثورة الإسلامية التي أطاحت بشاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1979 طرحت مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود، فيما كان النظام العراقي يخشى امتداد تأثيرها إلى الداخل، خصوصاً في ظل الأغلبية الشيعية في العراق، بالتزامن مع تنافس البلدين على موقع القوة الإقليمية في الخليج.
كما دخلت الولايات المتحدة ودول غربية وعربية على خط الصراع، بدرجات مختلفة، في إطار موازنة إيران الثورية التي أصبحت بعد 1979 خصماً لواشنطن.
وفي هذا السياق، يرى أبو ميثاق المساري الباحث السياسي وعضو الإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق)، أن العلاقة بين البلدين اليوم تبدو شديدة التناقض إذا ما قورنت بما كانت عليه آنذاك.
ويقول المساري لوكالة شفق نيوز، إن "العلامة الفارقة بين إيران والعراق هي حجم التغيير الهائل الذي طرأ على العلاقة، خصوصاً منذ عام 2003، فقد انتقلت من علاقة بين عدوين متحاربين على مدى ثماني سنوات إلى شراكة تجارية واقتصادية وتبادل للمصالح، إلى جانب ما يمكن وصفه بالسياسة الناعمة".
8 سنوات من الاستنزاف
يذكر أن الحرب مرت بمراحل متعاقبة، في بدايتها، اندفعت القوات العراقية داخل الأراضي الإيرانية، وسيطرت على مناطق حدودية، فيما خاضت معارك عنيفة للسيطرة على خرمشهر، التي تعرف في العراق باسم المحمرة.
وبعد أن تمكنت إيران من وقف الاندفاع العراقي واستعادة خرمشهر عام 1982، انتقلت الحرب إلى مرحلة جديدة؛ انسحبت القوات العراقية إلى الحدود الدولية، ورفضت طهران وقف الحرب، لتبدأ مرحلة استنزاف طويلة.
ثم جاءت معارك الفاو، وحرب المدن، وحرب الناقلات في الخليج، واستخدام الصواريخ بعيدة المدى، فضلاً عن الحرب الكيميائية، وفي عام 1986، تمكنت إيران من السيطرة على شبه جزيرة الفاو، في ضربة عسكرية وسياسية كبيرة للعراق.
لكن عام 1988 قلب ميزان الحرب مجدداً، فقد شن العراق سلسلة عمليات واسعة، واستعاد الفاو في نيسان/ أبريل خلال وقت قصير، ثم توالت عمليات استعادة الأراضي التي كانت إيران قد سيطرت عليها.
وكان من أبرز تلك العمليات "توكلنا على الله"، التي ارتبطت بالهجوم المضاد العراقي في المراحل الأخيرة من الحرب.
وفي الداخل الإيراني، بدأ الإرهاق الاقتصادي والبشري يظهر بصورة أكثر وضوحاً، فيما وجدت القيادة الإيرانية نفسها أمام حرب يصعب حسمها عسكرياً.
"كأس السم"
وكان قرار إيران قبول قرار مجلس الأمن 598 واحداً من أكثر المنعطفات السياسية تأثيراً في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
فالقرار، الذي صدر في 20 تموز/ يوليو 1987، طالب بوقف فوري لإطلاق النار، وانسحاب القوات إلى الحدود المعترف بها دولياً، والإفراج عن أسرى الحرب، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
وبعد نحو عام من صدوره، وافقت طهران على القرار في تموز/ يوليو 1988.
وفي خطاب شهير، وصف المرشد الإيراني روح الله الخميني قبوله وقف الحرب بأنه "تجرع كأس السم"، في تعبير أصبح أحد أشهر الرموز السياسية لنهاية الحرب.
ولم تكن إيران قد خسرت قدرتها العسكرية بالكامل، لكنها وصلت إلى مرحلة بات فيها استمرار الحرب أكثر كلفة من قبول وقفها.
وبعد معارك 1988، كان العراق قد استعاد الفاو ومواقع أخرى، بينما كانت إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متزايدة.
وفي 8 آب/ أغسطس، أُعلنت ترتيبات تنفيذ وقف النار، وأعلنت بغداد المناسبة "يوم النصر"، بينما دخل وقف إطلاق النار الميداني حيز التنفيذ في 20 آب/ أغسطس.
بغداد تحتفل
في العراق، لم يكن 8 آب/ أغسطس مجرد إعلان لوقف الحرب، فلقد تحول إلى مناسبة رسمية كبرى، وأطلقت عليه السلطة اسم "يوم النصر العظيم" أو "يوم الأيام"، وأقيمت الاحتفالات في بغداد والمحافظات، وجرى تكريم العسكريين وعائلات القتلى، فيما وظفت الدولة المناسبة لترسيخ رواية تقول إن الجيش العراقي أحبط مشروع "تصدير الثورة" وحمى حدود البلاد.
وكانت رموز الحرب حاضرة بقوة في المشهد العام، وصولاً إلى نصب "قوس النصر" في بغداد، الذي أصبح أحد أبرز رموز الذاكرة الرسمية للحرب.
وفي خطاب لاحق في ذكرى المناسبة، وصف رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين 8 آب/ أغسطس بأنه "يوم الأيام"، وربط الاحتفال بما اعتبره نتيجة لثماني سنوات من القتال والصبر والتضحيات.
لكن الاحتفال الرسمي لم يلغِ حقيقة أن العراق خرج من الحرب منهكاً، فقد خسر آلاف الجنود، وتعرضت منشآت النفط والموانئ والبنية التحتية لأضرار واسعة، فيما استُنزفت الاحتياطيات المالية وتراكمت الديون.
وتختلف التقديرات بشأن الخسائر العراقية، لكن الدراسات التاريخية تضعها في نطاق مئات الآلاف من القتلى والجرحى والأسرى، مع تقديرات تقارب 70 ألف أسير عراقي لدى إيران.
كما تشير تقديرات مختلفة إلى خسائر اقتصادية هائلة تصل إلى مئات المليارات، بحسب طريقة احتساب الإنفاق العسكري وخسائر النفط والإنتاج والبنية التحتية والفرص التنموية الضائعة.
أما إيران، فتشير التقديرات إلى خسائر بشرية كبيرة أيضاً، مع عشرات الآلاف من الأسرى الإيرانيين في العراق، بينهم نحو 40 ألفاً بحسب بعض الدراسات المستندة إلى سجلات الأسرى، فضلاً عن مئات الآلاف من الجرحى والمصابين، بمن فيهم ضحايا الأسلحة الكيميائية.
ولذلك يرى كثير من المؤرخين أن الحرب انتهت من دون تغيير إقليمي حاسم في الحدود، فيما دفع الشعبان العراقي والإيراني الثمن الأكبر.
"أي انتصار؟"
وبعد مرور 38 عاماً، لم تعد عبارة "يوم النصر" تحظى بالإجماع الذي كانت تحظى به في عهد النظام السابق.
وفي هذا الجانب، يقول عقيل الرديني، المتحدث باسم ائتلاف النصر برئاسة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، إن الاحتفال بالمناسبة يعيد إنتاج رواية يرى أنها تجاهلت الكلفة الحقيقية للحرب.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يرى الرديني، أن "الحرب كانت موجهة وشُنت بالإنابة عن أميركا وإسرائيل واستنزفت القدرات العراقية والإيرانية من أجل إضعاف المنطقة"، مضيفاً أن أموالاً خليجية ودعماً من جهات مختلفة ساعدت في إدامة الصراع.
ويوضح أن الحرب "استنزفت قدرات الشعب العراقي، البشرية والمادية والبنى التحتية، وأنها لم تحقق للعراق مكسباً دائماً"، مبيناً: "لذلك من المعيب الاحتفال في هذا اليوم الذي أسس إلى ضعف العراق واستنزاف قدراته، فأي انتصار؟ العراق عاد في النهاية إلى اتفاقية الجزائر، وخسر أمواله وبناه التحتية، ودفع ثمناً بشرياً هائلاً".
ويعتبر الرديني، أن ما حدث بعد 1988 يؤكد، في نظره، أن الحرب لم تكن انتصاراً استراتيجياً مستداماً، إذ لم يمض عامان حتى دخل العراق الكويت عام 1990، وبدأت مرحلة جديدة من الحروب والعقوبات والحصار.
جدل النصر
وعلى الطرف الآخر، ما تزال فئات من العراقيين، خصوصاً من العسكريين السابقين والتيارات القومية والوطنية، ترى في 8 آب/ أغسطس مناسبة لاستذكار تضحيات الجيش العراقي والدفاع عن حدود البلاد.
في غضون ذلك، يقول المحلل السياسي، أحمد يوسف، لوكالة شفق نيوز، إن المجتمع العراقي "منقسم بشدة" حول ذكرى 8 آب/ أغسطس 1988.
ويؤكد يوسف، أن "جزءاً من الشعب يرى ضرورة إحياء تضحيات الجيش العراقي في الحروب السابقة واستذكار مواقفهم في الدفاع عن العراق، فيما يعتبر القسم الآخر أنها حرب عبثية أدت إلى استنزاف هائل للموارد البشرية والمالية وخلفت مآسي اقتصادية وإنسانية".
وهذا الانقسام لم يعد سياسياً فقط، بل تحول إلى صراع على الذاكرة، ففي كل عام، تنتشر صور الجيش العراقي السابق وأناشيد الحرب في مواقع التواصل، في مقابل منشورات تذكر بالضحايا والدمار، وبسياسات النظام السابق ونتائج الحرب.
كما تغيرت طريقة تناول الحرب العراقية الإيرانية في المناهج الدراسية العراقية؛ إذ ابتعدت الكتب المدرسية عن مصطلحات مثل "قادسية صدام" و"البوابة الشرقية"، واتجهت إلى تقديم الحرب بوصفها صراعاً إقليمياً مدمراً، مع التركيز على خسائرها البشرية والاقتصادية والديون التي خلفتها، إضافة إلى القرارات الدولية المرتبطة بها، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 598.
وبذلك أصبح الجيل العراقي الجديد يتلقى الحرب بصورة مختلفة عن الجيل الذي عاشها.
غياب المناسبة
وبعد سقوط النظام السابق عام 2003، تغيرت الرواية الرسمية العراقية جذرياً، اذ لم تعد الدولة تحتفل رسمياً بـ"يوم النصر العظيم"، وأصبح 10 كانون الأول/ ديسمبر، المرتبط بإعلان الانتصار على تنظيم "داعش" عام 2017، هو "يوم النصر" الرسمي في العراق.
ويشير المواطن أحمد يوسف، إلى أن الحكومة بعد 2003 اختارت "بدء صفحة جديدة وطي صفحة الماضي من الحروب والخلافات مع دول الجوار".
ويضيف أن بغداد سعت إلى "فتح صفحة جديدة مع الدول التي كانت على خلاف مع النظام السابق وبناء علاقة جيدة قائمة على التعاون الاقتصادي والأمني"، معتبراً أن العراق لا يزال بحاجة إلى توطيد علاقاته مع المنطقة والعالم "بما يخدم سيادة الدولة والشعب بعيداً عن التدخل في شؤون العراق".
أما الناشط السياسي عمار سرحان، فيقدم تفسيراً أكثر حدة لاختفاء المناسبة، حيث يؤكد سرحان لوكالة شفق نيوز، أن التحول من إحياء ذكرى 8 آب/ أغسطس إلى تجاهلها أو تهميشها "لم يعد مجرد خيار إداري"، بل يعكس، خشية قوى سياسية نافذة من إحراج طهران.
ويضيف أن "السيطرة الإعلامية وصياغة الرواية" أسهمتا في تهميش أي خطاب يتناول الحرب من منظور قومي أو عسكري عراقي، مقابل خطاب يركز على التقارب والسياسات المشتركة.
ويلفت سرحان، إلى أن تهمة "الترويج للبعث أو الانتماء للنظام السابق" أصبحت، في بعض الأحيان، أداة سياسية وإعلامية ضد من يستذكر تضحيات الجيش.
وبذلك، بحسب رأيه، نشأت فجوة بين "الذاكرة الجمعية" وبين الواقع السياسي؛ إذ يرى جزء من المؤسسة العسكرية والجمهور في المناسبة محطة للدفاع عن السيادة، بينما ترى الطبقة السياسية في إحيائها تقاطعاً محتملاً مع مصالح العراق الإقليمية الحالية.
من الحرب إلى التحالف
المفارقة الكبرى أن العراق وإيران اللذين استنزفا بعضهما في الثمانينيات أصبحا بعد 2003 في موقع مختلف تماماً.
فسقوط النظام السابق فتح المجال أمام أحزاب وقوى سياسية عراقية كانت قد عاشت لسنوات في المنفى، وكان بعضها مرتبطاً بعلاقات وثيقة مع طهران.
وتحولت إيران إلى لاعب رئيسي في تشكيل الحكومات والتوسط بين القوى السياسية، فيما أصبحت بغداد تحاول موازنة علاقتها مع واشنطن بعلاقتها مع طهران.
ثم جاءت صدمة تنظيم "داعش" عام 2014، عندما انهارت قطعات عراقية أمام هجوم التنظيم وسيطر على مساحات واسعة من البلاد، وكانت إيران من أوائل الدول التي قدمت السلاح والمستشارين، بينما لعبت الفصائل الشيعية المسلحة دوراً رئيسياً في القتال.
ومع تشكيل هيئة الحشد الشعبي، أصبح جزء من هذه القوى داخل مؤسسة أمنية رسمية، لكن فصائل أخرى احتفظت بهياكل عسكرية وشبكات نفوذ سياسية واقتصادية مستقلة.
وهنا نشأ واحد من أكثر تعقيدات العراق الحديث كيف يمكن أن تكون جماعة ما جزءاً من المنظومة القانونية للحشد، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقرار عسكري مستقل؟
اقتصاد المصالح
في الجانب الاقتصادي، انتقلت العلاقة العراقية الإيرانية من الحرب إلى الاعتماد المتبادل، حيث تحولت إيران إلى واحد من أهم شركاء العراق التجاريين، فيما أصبحت السوق العراقية منفذاً رئيسياً للصادرات الإيرانية.
وفي 2023، دارت تقديرات حول تجارة ثنائية تقارب 12 مليار دولار، مع طموحات لرفعها إلى 15 ملياراً.
لكن الأرقام الأحدث تظهر في الوقت نفسه أن هذه التجارة ليست بمنأى عن التوترات.
فوفق بيانات الجمارك الإيرانية، بلغت صادرات إيران إلى العراق 2.3 مليار دولار في الربع الأول من 2026، مقابل 5.1 مليارات في الربع الأول من 2025، بانخفاض يقارب 55%.
وتصدرت الهيدروكربونات الغازية القائمة بقيمة 351 مليون دولار، تلتها قضبان وأسلاك الحديد والصلب بقيمة 159 مليوناً، ثم التفاح والإجاص والسيراميك والأدوات البلاستيكية والبوليمرات.
وفي قطاع الطاقة، ظل الاعتماد العراقي على إيران أكثر حساسية، اذ ذكرت بيانات وتقارير سابقة، أن نسبة كبيرة من محطات الكهرباء العراقية تعتمد على الغاز الإيراني، بينما تشتري بغداد الغاز والكهرباء من طهران بمليارات الدولارات سنوياً.
وفي 2025، كانت نحو 43% من الكهرباء العراقية تُنتج من الغاز المستورد من إيران، بحسب مستشار لرئيس الوزراء نقلت عنه "رويترز".
وهكذا لم تعد العلاقة بين البلدين قائمة على الأمن والسياسة فقط، بل أصبحت مرتبطة بالكهرباء والغاز والغذاء ومواد البناء والأسواق والنقل والحدود.
التجارة لا تلغي الخلافات
رغم ذلك، لا تخلو العلاقة من ملفات شائكة، فهناك المياه والأنهار الحدودية، وقصف إقليم كوردستان، والاتهامات المتبادلة بشأن جماعات المعارضة الإيرانية، فضلاً عن ملف السيادة العراقية.
كما أن إيران استخدمت نفوذها السياسي والأمني في العراق بصورة أثارت اعتراضات شعبية وسياسية، خصوصاً خلال احتجاجات تشرين 2019، عندما استهدفت احتجاجات غاضبة نفوذاً إيرانياً ومقار حزبية وقنصليات إيرانية.
وفي هذا الصدد، يوضح أبو ميثاق المساري إن الصورة لا يمكن فصلها عن حرب "داعش"، فبحسب رأيه، فإن "الدعم الإيراني للعراق في محاربة التهديد الوجودي لتنظيم داعش" كان أحد العوامل التي أعادت صياغة العلاقة.
ويعتبر أن العراق وإيران اليوم أمام "ترابط مصيري" تفرضه الجغرافيا والمصالح والتحالفات الإقليمية.
لكن الوجه الأمني للعلاقة أصبح أكثر تعقيداً خلال الأشهر الأخيرة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة العراقية مهلة حتى 30 أيلول/ سبتمبر 2026 لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، بدأت الفصائل نفسها تتباين بصورة أوضح.
وتقول مصادر عراقية إن كتائب حزب الله وحركة النجباء لا تزالان من أكثر الفصائل رفضاً لتسليم السلاح، فيما توجد مواقف أكثر مرونة لدى فصائل أخرى.
وتظهر تقارير حديثة أن إيران نفسها لم تعد تعتمد على الفصائل الكبيرة والمعلنة فقط.
فبحسب تحقيق لـ"رويترز" استند إلى ثمانية مصادر عراقية، أنشأ الحرس الثوري الإيراني خلايا سرية صغيرة في العراق، تضم الواحدة منها نحو عشرة عناصر، ونفذت هجمات بطائرات مسيرة على دول خليجية، بينها الكويت والسعودية والإمارات، في محاولة لتقليل إمكانية كشفها أو تحميل الفصائل الكبيرة المسؤولية المباشرة.
وهذا التحول مهم بالنسبة إلى بغداد، لأنه يجعل عملية ضبط السلاح أكثر تعقيداً فالمشكلة لم تعد فقط في فصيل له قيادة ومقار واسم واضح، وإنما في مجموعات أصغر وأكثر سرية.
وتأتي هذه التطورات فيما أظهرت تقارير أن عدداً من الفصائل العراقية المقربة من إيران أصبح أكثر حذراً في الانخراط المباشر في الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة، وأن المصالح السياسية والاقتصادية لبعض قادتها داخل العراق باتت عاملاً مؤثراً في قراراتهم.
الفصائل بين إيران والعراق
في المشهد الحالي، تبدو الفصائل العراقية في وضع أكثر انقساماً من السابق، فبعضها ما يزال يرى أن وجود القوات الأميركية والتدخلات الخارجية يبرران استمرار السلاح، فيما اختارت قوى أخرى التركيز على العمل السياسي.
وفي 7 آب/ أغسطس الجاري، أعلنت "المقاومة الإسلامية في العراق" تأجيل رد كانت قد هددت به بعد ضربات استهدفت جماعات مرتبطة بهجمات على منشآت سعودية، وذلك عقب مناشدات من الأمين العام لمنظمة "بدر" هادي العامري وقادة سياسيين آخرين.
وتكشف هذه الخطوة عن معادلة جديدة الفصائل لا تريد بالضرورة الدخول في حرب مفتوحة قد تهدد مواقعها السياسية والاقتصادية داخل العراق، لكنها في الوقت نفسه لا تريد قطع صلتها بالمشروع الإيراني.
وهذا ما يجعل مهلة 30 أيلول/ سبتمبر اختباراً حقيقياً للدولة العراقية، فإذا نجحت بغداد في دمج القوى المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، فقد تكون أمام تحول تاريخي في مفهوم احتكار الدولة للسلاح.
أما إذا بقيت بعض الفصائل خارج هذا الإطار، أو انتقلت أسلحتها إلى شبكات سرية، فقد يتحول الملف من مشكلة "فصائل" إلى مشكلة أمن داخلي طويلة الأمد.
إيران في عين العاصفة
وكل ذلك يحدث في وقت تمر فيه إيران بواحدة من أصعب مراحلها منذ الحرب العراقية الإيرانية.
فمنذ 28 شباط/ فبراير 2026، تخوض إيران حرباً مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما أدى الصراع إلى اضطراب صادرات النفط وحركة الملاحة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من حركة الشحن.
وفي الأيام الأخيرة، دخلت سلطنة عُمان على خط مفاوضات تهدف إلى إعادة فتح المضيق أمام الملاحة التجارية.
وتقول واشنطن إن تقدماً أُحرز في المفاوضات، فيما لا تزال طهران تتمسك بشروط تتعلق بطريقة إدارة الممر البحري ورسوم العبور، في وقت كان يمر عبر المضيق قبل الحرب نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وفي الوقت نفسه، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية شديدة بسبب الحرب والحصار وتعطل صادرات النفط، رغم تمكنها حتى الآن من تفادي انهيار اقتصادي شامل بفضل التجارة البرية والموارد الداخلية وبعض قنوات تصدير النفط.
أما على المستوى السياسي، فقد تغير رأس هرم السلطة نفسه، فبعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، تولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، لكنه لم يظهر علناً منذ إصابته في الضربة التي قتل فيها والده، بينما يقول الرئيس مسعود بزشكيان إن التواصل معه يتزايد يومياً.
وتفيد تقارير بأن صعود مجتبى حظي بدعم قوي من الحرس الثوري، الأمر الذي يعزز نفوذ التيار المتشدد داخل النظام، وفي المقابل، يدفع بزشكيان باتجاه إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
وبحلول 7 آب/ أغسطس الجاري، كانت مسقط ما تزال تعمل على صيغة لإعادة فتح مضيق هرمز، فيما هددت طهران دول الخليج بضرب منشآت الطاقة والمياه والنقل إذا استمرت الضربات الأميركية.
عراق الأمس واليوم
والمفارقة التاريخية أن العراق الذي خاض حرباً طويلة مع إيران باسم الدفاع عن حدوده وسيادته يجد نفسه اليوم أمام ضرورة منع الأراضي العراقية من أن تصبح منصة لحرب جديدة ضد إيران أو حلفائها.
وهنا تتقاطع الذكرى القديمة مع الواقع الجديد، فالجيش العراقي الذي كان في الثمانينيات محور الدولة والحرب، أصبح بعد 2003 جزءاً من منظومة أمنية أكثر تعقيداً تتشارك فيها القوات المسلحة والحشد والفصائل والأجهزة الأمنية.
والدولة التي كانت في الثمانينيات تعلن الحرب على إيران، أصبحت اليوم شريكاً تجارياً لها، وتعتمد عليها في جزء مهم من الطاقة، فيما تتولى فصائل عراقية مقربة من طهران أدواراً سياسية وأمنية داخل النظام نفسه.
هل يعود "يوم النصر"؟
بالنسبة إلى المحلل السياسي أحمد يوسف، لا يمكن إعادة المناسبة إلى موقعها السابق من دون قراءة التحولات السياسية، حيث يشير إلى أن العراق "بحاجة إلى توطيد العلاقات مع دول المنطقة والعالم بما يخدم سيادة الدولة والشعب".
أما أبو ميثاق المساري فيرى أن استعادة احتفالات 8 آب/ أغسطس بوصفها "انتصاراً على إيران" لم تعد منسجمة مع طبيعة العلاقة الحالية.
ويتابع قائلاً: "أما الحرب العبثية التي استمرت ثماني سنوات فلا مبرر للعودة مجدداً لما كان ينظم في احتفالات سابقة في العراق بوصفه انتصاراً على إيران".
لكن عمار سرحان يرى أن حذف المناسبة من الذاكرة الرسمية لا يحل المشكلة، حيث يختم حديثه بالقول إن "الفجوة بين الذاكرة الجمعية والواقع السياسي" ستبقى موجودة ما لم يتمكن العراق من صياغة رواية تاريخية تستوعب التضحيات العسكرية من دون أن تتحول إلى تمجيد للنظام السابق.