شفق نيوز- بغداد/ طهران/ بيروت/ عمّان/ القاهرة

من مضيق هرمز شرقاً إلى باب المندب والبحر الأحمر غرباً، مروراً بالعراق والسعودية وإيران واليمن وغزة وجنوب لبنان، وصولاً إلى السودان وشرق المتوسط، تتداخل جبهات أمنية وعسكرية مع أزمة الطاقة ومساعٍ دبلوماسية لمنع خروج التصعيد عن السيطرة.

ومع استمرار المواجهة الأميركية-الإيرانية، المندلعة منذ 28 شباط/ فبراير 2026، واتساع تداعياتها خلال الأيام الأخيرة إلى اليمن والبحر الأحمر، يتزايد خطر فتح جبهات جديدة، في وقت تتحرك فيه أطراف إقليمية ودولية لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب شاملة.

العراق في قلب الارتدادات

وفي العراق، تحولت تداعيات التصعيد الإقليمي إلى اختبار مباشر لقدرة بغداد على منع استخدام أراضيها في صراعات المنطقة، بعد الهجوم بطائرات مسيّرة على محطتي ضخ في خط أنابيب النفط السعودي "شرق-غرب".

وقالت وزارة الخارجية السعودية إن المسيّرات المستخدمة في الهجوم انطلقت من الأراضي العراقية. وردت الحكومة العراقية بتشكيل لجنة تحقيق واتخاذ إجراءات أمنية وإدارية في محافظة ميسان، فيما أكدت السلطات رفض استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية للاعتداء على دول الجوار. كما نفت فصائل عراقية مسلحة مسؤوليتها عن الهجوم وأبدت استعدادها للمشاركة في التحقيق.

وفي 16 أيلول/ سبتمبر الجاري، أكدت وزارة الخارجية الأميركية، في رد خاص لوكالة شفق نيوز، دعمها جهود رئيس الوزراء علي الزيدي لبسط سيادة الدولة ومنع تنفيذ هجمات داخل العراق أو انطلاقها من أراضيه.

ويرى الخبير الأمني العراقي أحمد الشريفي أن هذه التطورات تضع الحكومة أمام اختبار لقدرتها على فرض السيادة وحماية علاقات العراق مع محيطه العربي، في وقت تحاول فيه بغداد تجنب الانجرار إلى المواجهة الإقليمية.

في هذا السياق، يقول اللواء المتقاعد سمير فرج، الخبير الاستراتيجي المصري، إن توسيع رقعة المواجهة ليس في مصلحة الأطراف، محذراً من أن تعطيل الملاحة في باب المندب، بالتزامن مع الاضطراب في مضيق هرمز، ستكون له تداعيات اقتصادية واسعة على العالم.

ويضيف فرج لوكالة شفق نيوز أن التحركات المصرية والسعودية تتركز حالياً على تأمين البحر الأحمر، مشيراً إلى أن القاهرة ترى أن الحلول السياسية والمفاوضات تبقى المسار الأنسب، وأنها تدعم الجهود السعودية، خصوصاً في ظل عدم انخراط الولايات المتحدة مباشرة في القتال ضد الحوثيين.

وفي اليمن، تصاعد القتال خلال الأيام الأخيرة بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة سعودياً، مع امتداد المواجهات إلى الساحل الغربي ومناطق قريبة من باب المندب، الذي يمثل، إلى جانب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المرتبطة بتدفقات الطاقة والتجارة العالمية.

وفي أحدث جولات التصعيد، أعلن الحوثيون استهداف منشآت في ينبع وقاعدة خميس مشيط، فيما قال مسؤولون في التحالف الذي تقوده السعودية إن هجوماً على قاعدة جوية أدى إلى إصابة 13 مدنياً.

كما أعلن التحالف اعتراض طائرة مسيّرة قال إنها كانت متجهة نحو مكة، وهو ما نفاه الحوثيون.

وبالتوازي مع التحركات العسكرية، نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أن مسؤولين أميركيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في مسقط، وبحثوا الحفاظ على التفاهم القائم بين الجانبين وإبقاء باب المندب مفتوحاً أمام الملاحة.

كما أفادت المصادر بأن فريقاً عسكرياً أميركياً يساعد القوات السعودية في تبادل المعلومات الاستخباراتية والتخطيط، من دون مشاركة مباشرة في العمليات القتالية، ما يشير إلى أن واشنطن لم تنسحب من إدارة الأزمة، وإن كانت تتجنب الانخراط الميداني المباشر.

مسار الطاقة تحت الضغط

وعلى الرغم من الاضطراب الذي أصاب حركة الملاحة، لم يُغلق مضيق هرمز بصورة كاملة. فقد قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن نحو 18 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة عبرت المضيق في 15 أيلول/ سبتمبر، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 11 مليون برميل يومياً خلال الأيام السبعة السابقة.

وفي المقابل، فإن الهجوم على خط أنابيب "شرق-غرب"، الذي يمثل أحد البدائل السعودية لتجاوز هرمز، ألحق أضراراً بمحطتي الضخ الثامنة والتاسعة وأوقف تدفق نحو أربعة ملايين برميل يومياً. وقدّرت تقارير أن استعادة الطاقة الكاملة للخط قد تحتاج إلى عدة أسابيع.

وفي خضم هذه التطورات، عقد مسؤولون عسكريون أميركيون وإسرائيليون وقادة جيوش سبع دول عربية اجتماعاً في ألمانيا، وفق تقرير نشره موقع "أكسيوس" في 15 أيلول/ سبتمبر.

وشارك في الاجتماع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، إلى جانب قادة عسكريين من السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر.

وتناولت المحادثات الحرب مع إيران والتعاون الأمني الإقليمي، فيما عرض كوبر خطة أميركية لزيادة حركة السفن عبر مضيق هرمز، وجاء الاجتماع بالتزامن مع تصاعد المواجهة في اليمن والمخاوف المتعلقة بأمن باب المندب.

وأكدت القيادة المركزية الأميركية انعقاد الاجتماع، وقالت إنها استضافت قادة عسكريين كباراً من ثماني دول خلال مؤتمر مقرر مسبقاً في ألمانيا، لبحث فرص تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط، من دون أن تسمي الدول المشاركة.

من جانبه، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية مهدي عزيزي أن التحركات السعودية والمصرية والاجتماع العسكري في ألمانيا لا تعني بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة.

ويقول عزيزي لوكالة شفق نيوز إنه يتوقع استمرار التصعيد ضمن "ضربات محدودة وخاطفة"، مشيراً إلى أن واشنطن تريد تحقيق نتائج سريعة، وأن اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر يجعل الدخول في حرب استنزاف طويلة أكثر كلفة سياسياً.

ويضيف أن الرهانات على إسقاط النظام الإيراني لم تحقق أهدافها، وأن الولايات المتحدة لم تصل إلى جميع ما كانت تسعى إليه، بما في ذلك في مضيق هرمز، ولذلك بدأت استخدام أوراق أخرى، بينها العقوبات والضغط الاقتصادي وتوسيع التنسيق مع الدول العربية.

وفي قراءة من واشنطن، قال عضو الكونغرس الديمقراطي هنري كويلار، في حديث خاص لوكالة شفق نيوز، إن التعامل مع إيران يتطلب الجمع بين أدوات الضغط والقوة الناعمة، داعياً إلى تشديد العقوبات مع مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الإيراني.

ويعكس ذلك استمرار الانقسام داخل واشنطن بين اتجاه يدفع نحو زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية، وآخر يخشى تحول المواجهة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.

تعدد ساحات الصراع

وعلى الجبهة الشمالية لإسرائيل، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، في 16 أيلول/ سبتمبر، بوقوع تفجيرات وقصف مدفعي إسرائيلي طالت مناطق زوطر الشرقية والمنصوري وحداثا وكفرتبنيت في جنوب لبنان، فيما سُمعت أصوات الانفجارات في النبطية ومناطق أخرى.

وفي غزة، ظلّت التداعيات الإنسانية والعمرانية للحرب حاضرة، إذ أدى انهيار مبنى متضرر من قصف سابق ويؤوي عائلات نازحة إلى مقتل 21 شخصاً، بينهم 12 طفلاً.

وفي هذا الصدد، يرى المحلل السياسي اللبناني غالب سرحان أن المنطقة تتحرك في مسارين متزامنين.

ويتمثل المسار الأول، بحسب سرحان، في توسع جغرافيا المواجهة خارج الإطار الأميركي-الإيراني المباشر، وهو ما ظهر في اليمن من خلال القتال السعودي-الحوثي، وفي العراق بعد اتهام سعودي بانطلاق مسيّرات من أراضيه لاستهداف منشآت نفطية في المملكة، وهو اتهام فتحت بغداد تحقيقاً بشأنه ونفته فصائل عراقية مسلحة.

أما المسار الثاني فيتمثل في محدودية قدرة الولايات المتحدة على توسيع الحرب، في ظل الضغوط الخليجية وأزمة الطاقة واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، فضلاً عن ارتفاع الكلفة السياسية والعسكرية لأي مواجهة طويلة.

ويقول سرحان لوكالة شفق نيوز إن القوى الإقليمية والدولية تسعى إلى منع السيناريو الأسوأ، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على التحكم الكامل بمسار التصعيد.

ويعتقد أن الجميع ينتظر نتيجة "عض الأصابع" بين واشنطن وطهران، في وقت أصبح فيه باب المندب والساحل الغربي لليمن جزءاً من ساحة الصراع، ما يجعل المواجهة أطول أمداً وأكثر عرضة للتمدد.

ويخلص إلى أن السيناريو الأبرز يتمثل في رفع الضغوط المتبادلة لتحسين شروط التفاوض، باعتبار أن التسوية السياسية تبقى المسار الذي لا يمكن تجنبه لإنهاء الصراع.

لكن المحلل السياسي الأردني حازم عياد يقدم قراءة أكثر تشاؤماً بشأن قدرة الأطراف على احتواء الأزمة.

ويقول عياد لوكالة شفق نيوز إن المواجهة اتسعت فعلياً مع انتقال المعارك إلى اليمن وبروز باب المندب والساحل الغربي ضمن ساحات الصراع، مشيراً إلى أن آثارها لم تعد مقتصرة على الدول المنخرطة مباشرة، بل امتدت إلى الاقتصاد والأمن الإقليمي والدولي.

ويلفت إلى أن البؤر الساخنة باتت متعددة في لبنان والعراق وهرمز وباب المندب والصومال، مع امتدادات إلى السودان وشواطئ البحر الأحمر، فضلاً عن انعكاساتها على قناة السويس وشرق المتوسط وسوريا وقبرص واليونان.

ويضيف أن التطورات الميدانية تفتح المجال أمام مزيد من التوسع، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود كوابح سياسية، من بينها الانتخابات النصفية الأميركية والحسابات الانتخابية الإسرائيلية والانشغال السياسي الداخلي في البلدين.

وبحسب عياد، لا تقدم الوقائع الميدانية حتى الآن مؤشرات قوية على احتواء الصراع، بل تشير إلى تمدده، محذراً من أن استمرار ذلك قد يحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى صراع دولي مزمن.

وخلال الأسابيع المقبلة، تتقاطع ثلاثة مسارات قد تحدد اتجاه الأزمة، نتائج التحقيق العراقي في هجوم المسيّرات، وما إذا كانت قناة مسقط بين واشنطن والحوثيين ستُبقي باب المندب مفتوحاً، ومدة إصلاح محطتي الضخ على خط "شرق-غرب"، وكل ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر، التي يرى محللون أنها تدفع واشنطن إلى تجنب حرب استنزاف طويلة.