شفق نيوز – بغداد

وسط عاصفة مالية خانقة تضرب مفاصل الاقتصاد العراقي، انفجرت أزمة سوق الذهب كأحد أخطر الملفات الاقتصادية وأكثرها حساسية، بعدما تحوّلت قرارات جمركية مفاجئة إلى صدمة عنيفة شلّت الاستيراد بالكامل، وأربكت السوق، ودفعت القطاع إلى حافة الانكماش الحاد.

وفي بلد اعتاد النظر إلى الذهب بوصفه ملاذاً آمناً ووعاءً لحفظ القيمة في أوقات الاضطراب، بات هذا المعدن النفيس عنواناً للفوضى الإدارية والتضارب في القرارات، مع رسوم قفزت بأرقام صادمة، وتعليمات غير واضحة، وشحنات عالقة في المطارات، وأسعار مرشحة للانفلات.

وتتزامن هذه التطورات مع عجز مالي متصاعد وضغوط متزايدة على موارد الدولة، لتكشف الأزمة عن تصادم مباشر بين حاجة الحكومة للجباية وتنظيم السوق، وبين هشاشة الواقع الاقتصادي وقدرة المواطنين على التحمل، في مشهد ينذر بتداعيات تتجاوز سوق الذهب إلى الثقة النقدية والاستقرار المالي، ويضع الاقتصاد العراقي أمام اختبار بالغ القسوة.

هذا الملف دفع فريق وكالة شفق نيوز للغوص عميقاً في تفاصيله، والتقصّي لكشف الحقائق الغامضة خلف قرارات أربكت السوق، وأوقفت الاستيراد، وفتحت الباب أمام تضارب الروايات بين الجهات الرسمية والتجّار، في محاولة لفهم ما يجري فعلاً بعيداً عن الأرقام المعلنة والتصريحات المطمئنة.

شلل سوق الذهب

ازدادت التحذيرات مؤخراً من تداعيات خطيرة تهدد سوق الذهب في العراق، على خلفية قرارات حديثة برفع الرسوم الكمركية، ووفقاً لحديث تجار الذهب في البلاد فإن الاستيراد متوقف كلياً منذ مطلع العام الحالي في جميع مطارات البلاد.

ويعمل التجار في العراق منذ العام 2010 وفق آلية واضحة تعتمد نسبة 5 بالألف وليس 5%، لكن وزارة المالية عمّمت كتاباً مفاجئاً في تشرين الثاني 2025 يتحدث عن رفع التعرفة الجمركية الجديدة، الأمر الذي خلق إرباكاً واسعاً لدى الجهات المعنية والتجار على حد سواء.

في غضون ذلك، يقول علي العكيلي، وهو تاجر ذهب عراقي، لوكالة شفق نيوز، إن "الإشكالية الجوهرية تكمن في اعتماد نسبة 5% خصوصاً وأنها تُستوفى من رأس المال وليس من الأجور أو الخدمات، وهو ما يعد غير منطقي، كون الذهب ليس سلعة استهلاكية بل معدناً نقدياً ذا سعر عالمي ثابت"، لافتاً إلى أن "سعر الأونصة عالمي ولا يخضع للتسعير المحلي".

وبحسب حديث العكيلي، فإن الجهات الرسمية قررت سابقاً فرض رسم قدره 250 ألف دينار على كل كيلوغرام ذهب بالتزامن مع إطلاق منصة الحكومة في العام 2023، يضاف إليها رسم مماثل لدار التقييم والسيطرة النوعية وغيرها، بسعر 350 ألف دينار، ما يعني وصول الرسوم على كل كيلوغرام من الذهب ما بين 500 إلى 600 ألف دينار، وهو ما قبله التجار دون اعتراض.

إلا أن الوضع تغيّر جذرياً مع احتساب نسبة 5% من قيمة الكيلو، والكلام لنفس التجار، حيث بلغت الرسوم الجمركية وحدها 12 مليوناً و500 ألف دينار، ومع إضافة تكاليف النقل والتخليص وبقية المصاريف، وصل إجمالي الرسوم على الكيلو الواحد إلى نحو 15 مليون دينار، بعد أن كانت لا تتجاوز 600 ألف دينار سابقاً.

واشتعل النقاش مجدداً مع إعلان الحكومة تطبيق جداول جديدة للتعرفة الجمركية بدءاً من مطلع 2026، في وقت تنفي فيه الحكومة العراقية وجود أي "ضرائب جديدة" والتأكيد على أن ما يجري هو تنظيم للجباية عبر أنظمة إلكترونية حديثة.

وهذه الزيادة ستنعكس مباشرة على أسعار الذهب في السوق المحلية، بارتفاع يتراوح بين 150 إلى 200 ألف دينار على كل مثقال، وسط تحذيرات من دخول السوق في ركود مخيف نتيجة ضعف القدرة الشرائية، حسب رؤية سوق الذهب والتجار.

كما يضيف العكيلي أن استيراد الذهب متوقف منذ 1 كانون الثاني/ يناير 2026 في جميع مطارات العراق، كاشفاً عن وجود شحنات ذهب عالقة في مطار بغداد الدولي منذ أكثر من 18 يوماً، بسبب عدم وضوح التعليمات الجمركية وتباين التفسيرات بين الجهات المختصة.

ويختم التجار حديثهم بالقول إن حالة التخبط الحالية وغياب تعريف دقيق للتعرفة الجديدة تضع التجار أمام قرارات مزاجية وغير مستقرة، داعين الحكومة إلى التدخل العاجل وتوضيح الآليات بما يحفظ انسيابية السوق ويمنع الإضرار بقطاع الذهب والاقتصاد المحلي.

قفزة غير مسبوقة بالاسعار

وفي هذا السياق، ارتفعت أسعار الذهب "الأجنبي والعراقي"، صباح اليوم الأربعاء، ليسجل الذهب عيار 21 أكثر من مليون دينار للمرة الأولى في الأسواق المحلية بالعاصمة بغداد وفي أربيل، عاصمة إقليم كردستان.

وخلال الأشهر الماضية، بات العراق يواجه ضغوطاً مالية متصاعدة تنذر بأزمة حقيقية، قد تنعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في الإيفاء برواتب الموظفين والتزاماتها الأساسية، في ظل تسجيل عجز فعلي يقدَّر بنحو 10 تريليونات دينار، مع توقعات بأن يتفاقم ليصل إلى قرابة 15 تريليون دينار مع نهاية العام الحالي.

وفي الأسبوع الماضي، ارتفع سعر الذهب إلى مستويات قياسية، متجاوزاً 4600 دولار للأونصة للمرة الأولى، وسط مخاوف من حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، وتوقعات متزايدة بخفض أسعار الفائدة الأميركية.

وسجل الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعاً بنحو 1.5% ليصل إلى 4478.79 دولار للأونصة في ختام الأسبوع الماضي، بعد أن بلغ أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 4600.33 دولار، كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم فبراير/شباط بنسبة 2% لتصل إلى 4591.10 دولار للأونصة، وفق وكالة "رويترز".

إلى ذلك، يقول مستشار رئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن توطين الذهب في الاقتصاد العراقي ينبغي أن يجري ضمن إطار سياساتي متكامل يميّز بوضوح بين الذهب بوصفه أصلاً مالياً لحفظ القيمة، وبين كونه سلعة تجارية، محذراً من تحوله إلى قناة لاستنزاف مورد نادر يمثّل جزءاً من الثروة الوطنية.

وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يرى صالح أن الذهب يُعد ملاذاً آمناً ووعاءً مهماً لحفظ الثروة، ما يستدعي إدارة دقيقة لتداوله، تقوم على اعتماد اشتراطات جمركية انتقائية تنسجم مع سياسة إدارة الذهب في البلاد، على أن لا تُفهم هذه الاشتراطات كأداة جباية مالية، بل كوسيلة لتنظيم الطلب والحفاظ على سلامة الموارد الوطنية.

ويشير إلى أن الذهب لا يرتبط بشكل مباشر بسلة المستهلك التي يُستند إليها في احتساب مؤشر التضخم، كونه يمس بالأساس الشرائح الاجتماعية ذات الفوائض المالية العالية، الأمر الذي يجعل تنظيم تداوله محايداً نسبياً تجاه الاستقرار السعري العام.

كما يضيف مستشار رئيس الوزراء أن هذه المقاربة تتيح مواءمة تنظيم سوق الذهب مع أهداف السياسة النقدية والمالية في آنٍ واحد، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحفظ الثروة الوطنية من الهدر أو التسرب غير المنضبط.

المجلس العالمي للذهب أعلن بدوره مطلع العام الجاري أن العراق حافظ على موقعه في التصنيف العالمي لاحتياطيات الذهب، دون تسجيل أي تغيّر، باحتياطي يتجاوز 170 طناً من المعدن النفيس.

ووفق أحدث بيانات المجلس لشهر كانون الثاني الجاري، فقد حلّ العراق في المرتبة 29 عالمياً من بين 100 دولة تمتلك أكبر احتياطيات الذهب، مبينة أن حجم احتياطي العراق بلغ 170.9 طناً، ما يشكّل نحو 22.1% من إجمالي احتياطياته من العملات الأجنبية، ليحتل بذلك المرتبة الرابعة عربياً بعد كل من السعودية ولبنان والجزائر.

في المقابل، يوضح الخبير الاقتصادي نبيل التميمي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بالضرائب والتعرفة الجمركية، وخصوصاً الرسوم على الذهب، قد لا تحقق المنافع الاقتصادية المرجوة في ظل غياب السيطرة الكاملة على المنافذ ومكافحة التهريب في بعض المحافظات.

ويتحدث التميمي قائلاً إن القيود المفروضة على الذهب قد تؤدي إلى فقدان جزء كبير من الإيرادات المتوقعة نتيجة تسرب هذه السلعة عبر ممرات التهريب، مبيناً أن الإجراءات الحالية قد تنتج نوعاً من المساواة الشكلية أكثر من تحقيق مكاسب مالية حقيقية.

وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن الذهب يُعتبر أحد الأصول المهمة، وأن القيود المفروضة عليه قد تضعف الثقة بالعملة الوطنية، خاصة في ظل القيود المشابهة على الدولار، مؤكداً أن الثقة بالعملة المحلية تعتمد بشكل أساسي على توافر ما يقابلها من أصول نقدية أو معادن نفيسة.

ووفقاً لبيانات المجلس العالمي للذهب، فقد عزّز العراق احتياطياته من المعدن النفيس بشراء أكثر من 8 أطنان من الذهب خلال عام 2025.

وفي آخر إحصائية لعام 2025، كشف المجلس أن العراق اشترى حتى شهر آب/أغسطس من العام الجاري نحو 8.2 أطنان من الذهب، لترتفع احتياطياته الإجمالية إلى 170.9 طناً، موضحاً عمليات الشراء توزعت على عدة أشهر، بواقع طن واحد خلال شهر آذار/مارس، و1.6 طن في حزيران/يونيو، و3.1 أطنان في تموز/يوليو، إضافة إلى 2.5 طن في آب/أغسطس.