شفق نيوز- بغداد/ كربلاء

بعد سنوات من الارتفاعات القياسية التي دفعت أسعار العقارات في بعض مناطق بغداد إلى مستويات تضاهي أسواق عواصم أوروبية، يواجه السوق العقاري في العراق حالة من الركود والجمود، مع تراجع عمليات البيع والشراء وانحسار الطلب، في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار وتشديد الإجراءات المالية والضريبية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وامتد هذا التراجع، بحسب معطيات السوق، إلى بغداد وإقليم كوردستان وعدد من المحافظات، وسط تضافر عوامل اقتصادية وتنظيمية أسهمت في تغيير حركة التداول، وأثارت تساؤلات بشأن ما إذا كان السوق يمر بمرحلة تصحيح للأسعار بعد طفرة طويلة، أم أن الركود قد يتحول إلى أزمة أوسع تطال العاملين في القطاع.

تراجع التداول

وفي محافظة كربلاء، تبدو مؤشرات الركود واضحة في حركة المكاتب العقارية، إذ يقول الدلال العقاري أبو علي، إن السوق يشهد حالة غير مسبوقة من الجمود، مبيناً أن بعض أصحاب المكاتب أمضوا نحو شهر من دون إتمام أي صفقة بيع، سواء للعقارات السكنية المسجلة بالطابو أو الأراضي الزراعية.

ويعزو أبو علي هذا التراجع خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز 160 ألفاً ووصل إلى نحو 168 ألف دينار لكل 100 دولار، الأمر الذي انعكس على حركة البيع والشراء ودفع المواطنين إلى تأجيل قرارات الشراء.

ويوضح أن أسعار العقارات شهدت تراجعاً ملحوظاً، إذ انخفض سعر منزل كان يُعرض بنحو 100 مليون دينار إلى ما يتراوح بين 60 و75 مليوناً، تبعاً لموقعه ومواصفاته، فيما تراجعت حركة التداول في الأراضي الزراعية أيضاً، مع غياب المشترين وتردد أصحاب العقارات في البيع.

ولا يقتصر تأثير هذا الجمود على البائعين والمشترين، بل يمتد إلى العاملين في القطاع، بحسب "أبو علي"، الذي يشير إلى أن الدلالين وأصحاب المكاتب يعتمدون أساساً على العمولات الناتجة عن الصفقات، ما جعل غياب عمليات البيع يهدد مصادر دخلهم ويضعهم أمام ظروف معيشية صعبة.

اقتصاد ريعي

ويضع الخبير الاقتصادي، مصطفى الفرج، هذا التراجع في سياق أوسع من تقلبات سعر الصرف، معتبراً أن طبيعة الاقتصاد العراقي الريعي، المعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية والاستيراد، تجعل القطاع العقاري شديد التأثر بأي اضطراب نقدي أو مالي.

ويقول الفرج لوكالة شفق نيوز، إن ارتفاع الدولار ينعكس على تكاليف البناء والمواد الإنشائية والتشطيبات، نظراً لاعتماد السوق المحلية على الخارج في توفير جانب كبير من احتياجاتها، ما يرفع كلفة إنشاء الوحدات السكنية، بالتزامن مع تراجع قدرة المواطنين على تحمل الأسعار.

ويضيف أن المشكلة تتفاقم بسبب ارتباط تسعير العقارات إلى حد كبير بالدولار، في مقابل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على مدخول ورواتب محدودة بالدينار، لا تتناسب مع مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة.

ويشير إلى أن هذا الواقع أوجد حالة من الجمود، إذ لم يعد المشتري قادراً على دفع الأسعار المطلوبة، في حين لا يبدي البائع استعداداً كافياً لخفض قيمة عقاره بما يتناسب مع القدرة الشرائية، فتتراجع الصفقات وتطول مدة بيع العقارات.

ويرى الفرج أن معالجة الأزمة لا تتوقف عند استقرار سعر الصرف، بل تتطلب تنويع مصادر الاقتصاد وتعزيز الإنتاج المحلي وتحسين القدرة الشرائية، إلى جانب توفير التمويل والقروض السكنية، محذراً من أن استمرار الاعتماد على النفط والاستيراد يبقي القطاع العقاري عرضة للتقلبات الاقتصادية والنقدية.

تدقيق الأموال

لكن الخبير الاقتصادي، ضياء المحسن، يقدم قراءة مختلفة لطبيعة ما يجري، إذ يرى أن ما يوصف بالركود ليس بالضرورة تراجعاً اقتصادياً تقليدياً، بقدر ما هو إحجام متبادل من البائع والمشتري عن إتمام الصفقات، بعد سنوات من الارتفاعات التي لا تتناسب مع القيمة الحقيقية للعقارات ومستوى الخدمات المتوافرة فيها.

ويقول المحسن لوكالة شفق نيوز، إن أسعار العقارات شهدت خلال السنوات الماضية قفزات غير منطقية في بعض المناطق، إذ ارتفعت قيمة المتر المربع إلى مستويات لا تتناسب مع جودة الحياة والخدمات المقدمة، ما خلق فجوة بين الأسعار المتداولة والقيمة الفعلية للعقار.

ويربط المحسن جانباً من هذا التحول بالإجراءات الحكومية لملاحقة الفساد وتتبع الأموال، ولا سيما حملة "صولة الفجر" التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في 28 حزيران/ يونيو 2026، لملاحقة المتهمين بالتجاوز على المال العام وكشف شبكات الفساد.

وشملت الحملة، التي نفذتها هيئة النزاهة الاتحادية بالتعاون مع جهاز مكافحة الإرهاب ومجلس القضاء الأعلى، ملاحقات وإجراءات قضائية بحق متهمين بالفساد، فضلاً عن تتبع الأموال والممتلكات، في إطار مساعٍ للحد من استغلال المال العام.

ويعتقد المحسن أن تشديد الرقابة على مصادر الأموال أسهم في تراجع إقبال بعض المتعاملين الذين كانوا يشترون العقارات بمبالغ مرتفعة، ما انعكس على حركة المضاربة وأدخل السوق في حالة من الترقب.

ويوضح أن بعض البائعين ما زالوا يتمسكون بأسعار مرتفعة استناداً إلى صفقات سابقة في مناطقهم، حتى بعد تراجع الأسعار، فيما يرى المشترون أن تلك القيم لم تعد مبررة، الأمر الذي يعمق الفجوة بين الطرفين ويعطل إتمام عمليات البيع.

إجراءات جديدة

ويضيف المحسن أن إطلاق منصة "عقاري" أسهم بدوره في إحداث تغيير في آليات بيع العقارات وإجراءات نقل الملكية، فضلاً عن الضرائب المفروضة على البائع والمشتري، والتي انعكست على عمل معقبي المعاملات وأبطأت جانباً من النشاط المرتبط بالقطاع.

وتأتي هذه التطورات ضمن توجه حكومي لتشديد الرقابة على المعاملات العقارية ومصادر الأموال، في وقت تواجه فيه السوق تحديات تتعلق بتكاليف التسجيل والرسوم والغرامات البلدية، وهي عوامل تزيد كلفة إتمام الصفقات وتدفع بعض المتعاملين إلى تأجيلها.

وفي موازاة ذلك، تسعى الحكومة إلى زيادة المعروض السكني عبر مبادرة "وطن"، التي تستهدف توزيع مليون قطعة أرض سكنية مخدومة، إلى جانب التوجه نحو مشاريع ومجمعات سكنية جديدة، وقد أسهم الإعلان عن هذه المبادرات في تعزيز ترقب بعض المشترين، أملاً في الحصول على أراضٍ أو وحدات سكنية بأسعار أقل من المستويات المتداولة حالياً.