شفق نيوز- دمشق/ القامشلي
في القامشلي، خلال الحقبة السابقة، كتب أحدهم تقريراً إلى المخابرات العسكرية بحق معلّم في المدينة، فانتهى الأمر بفصله من وزارة التربية، أما التهمة، كما يروي الباحث والمستشار في التحكيم الدولي عبد عيسى، فكانت أنه "ضحك بالكوردي".
بعد سنوات، تستعد مدارس المدينة نفسها لاستقبال اللغة التي عوقب معلّم بسبب استخدامها، ولكن هذه المرة داخل الجدول الرسمي، إلى جانب العربية والإنكليزية.
والتغيير جاء سريعاً.
فقبل عشرة أيام من انطلاق العام الدراسي، أصدر وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، في 27 آب/أغسطس، القرار رقم 2068/943، معدلاً التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 13 لعام 2026.
وبموجبه، انتقلت الكوردية من مادة اختيارية بحصتين أسبوعياً وفق التعليمات السابقة إلى جزء من المناهج المعتمدة في جميع المراحل الدراسية، في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها الكورد نسبة ملحوظة من السكان.
وحدد القرار ثلاث حصص أسبوعياً لمادة اللغة الكوردية، تدخل درجتها في المجموع النهائي، إلى جانب حصة مستقلة للأنشطة.
كما أتاح للطلاب، خلال العام الدراسي الأول من تطبيقه، اختيار دراسة مواد الدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة بالعربية أو بالكوردية، في ترتيب وصف بأنه يهدف إلى تسهيل المرحلة الانتقالية بالنسبة إلى الطلاب الذين سبق أن درسوا هذه المواد بلغتهم في مدارس الإدارة الذاتية.
لكن القرار لم يحسم ما سيأتي بعد انتهاء ذلك العام، وما إذا كان تدريس تلك المواد بالكوردية سيستمر بصيغة أخرى أم يتوقف عند حدود المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، بقي سؤال آخر من دون جواب واضح في النص المنشور. هل ستكون حصص الكوردية جزءاً إلزامياً من جدول الطالب الكوردي، أم خياراً تعليمياً يضاف إلى برنامجه الأساسي؟
الفرق بين الاحتمالين ليس تقنياً فقط، إذ قد يحدد عملياً عدد الطلاب الذين سيدرسون اللغة ومدى تحول القرار إلى ممارسة واسعة داخل المدارس.
ولم يصدر التعديل بعيداً عن سياق سياسي متسارع.
ففي 25 آب/أغسطس، أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد اكتمال مسار دمجها العسكري والأمني والإداري في مؤسسات الدولة. وبعد يومين صدر قرار اللغة، ثم عُيّن عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية.
وخلال أقل من أسبوع، تتابعت تطورات تشير إلى مرحلة مختلفة في العلاقة بين دمشق والكورد. قوة عسكرية مستقلة تنتهي، قائدها ينتقل إلى مؤسسة الرئاسة، ولغة ظلت لعقود خارج مدارس الدولة المركزية تحصل على موقع أوسع في منهاجها.
لكن الاختبار الفعلي يبدأ في السادس من أيلول/سبتمبر، عندما يعود الطلاب إلى المدارس ويتحول القرار من نص وزاري إلى كتب ومعلمين وصفوف وحصص يومية.
ما الذي تغير فعلياً؟
كانت التعليمات التنفيذية الأولى، الصادرة في 26 كانون الثاني/يناير، قد اعتمدت الكوردية مادة اختيارية بواقع حصتين أسبوعياً، تُسجل درجتها في المجموع العام من دون أن تؤثر نتيجتها في نجاح الطالب أو رسوبه.
قرار 27 آب رفع عدد حصص اللغة إلى ثلاث أسبوعياً، وأضاف حصة مستقلة للأنشطة، ونص صراحة على أن الكوردية ستكون جزءاً من المناهج المعتمدة وأن درجتها تدخل المجموع النهائي.
لكن التغيير لا يقف عند عدد الحصص.
فخلال العام الدراسي الأول فقط بعد نفاذ القرار، يستطيع الطلاب اختيار دراسة مواد الدراسات الاجتماعية، بما فيها التاريخ والجغرافيا والفلسفة، بالعربية أو بالكوردية وفق المناهج المعتمدة.
ووصف القرار ذلك بأنه إجراء لتيسير المرحلة الانتقالية، ما يمنح الطلاب الذين سبق أن درسوا هذه المواد بالكوردية فرصة للانتقال التدريجي إلى النظام الجديد، من دون أن يحدد بصورة واضحة ما سيحدث بعد انتهاء السنة الأولى.
وهنا تظهر واحدة من مفارقات القرار، فالكوردية تحصل على موقع أقوى باعتبارها مادة داخل المنهاج الوطني، بينما يبقى استخدامها لغة لتدريس مواد أخرى مرتبطاً، في صيغته الحالية، بمرحلة انتقالية محددة زمنياً.
،لم يحظ القرار بقراءة واحدة في الأوساط الكوردية.
فقد اعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي فردي سعدون أن الحصص الأربع المخصصة للغة والأنشطة تبدو، وفق قراءته، حصصاً اختيارية إضافية إلى المنهاج المعتمد، محذراً من أن بعض الطلاب قد يتجنبونها إذا أصبحت عبئاً دراسياً إضافياً.
ويرى سعدون خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن الأفضل كان جعل دراسة الكوردية إلزامية للطلاب الكورد واختيارية للعرب وبقية المكونات.
كما أثار تساؤلات بشأن عبارة "المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكورد نسبة ملحوظة"، وما إذا كانت قد تحد من تطبيق القرار في مدن توجد فيها تجمعات كوردية كبيرة من دون أن تشكل غالبية السكان.
ولا يبدو هذا الخلاف إجرائياً فقط. فالفارق بين مادة موجودة داخل البرنامج الدراسي الأساسي وأخرى يستطيع الطالب اختيار عدم دراستها قد يكون حاسماً في تحديد حجم الإقبال عليها ومستقبل التجربة.
القرار يقول إن الكوردية أصبحت "جزءاً من المناهج المعتمدة"، لكنه لا يشرح بالتفصيل كيف ستوزع حصصها داخل الجدول اليومي لكل مدرسة، وهو ما سيبدأ بالاتضاح مع التطبيق الفعلي.
"لغة وطنية" لا رسمية
بدأ المسار القانوني في 16 كانون الثاني/يناير، عندما أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي اعتبر المواطنين السوريين الكورد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وعدّ هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً من الهوية الوطنية السورية.
كما اعتبر المرسوم الكوردية "لغة وطنية"، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها الكورد نسبة ملحوظة من السكان.
لكن المرسوم لم يمنحها صفة "اللغة الرسمية".
وبين الوصفين تقع واحدة من أهم نقاط النقاش الكوردي في سوريا.
فالاعتراف بالكوردية لغة وطنية يضعها ضمن الهوية الثقافية للدولة، في حين أن اعتمادها لغة رسمية ثانية سيترتب عليه حضور أوسع في الإدارات والمؤسسات والمراسلات والخدمات العامة.
عبد الحكيم بشار، عضو مجلس الشعب وعضو الحزب الديمقراطي الكوردستاني، يقول لوكالة شفق نيوز إن انتقال الكوردية "من مرحلة النفي والإنكار والمنع إلى الاعتراف بها كلغة وطنية" يمثل تحولاً تاريخياً، لكنه اعتبر الخطوة غير كافية.
وقال بشار "اعتبار اللغة الكوردية لغة وطنية هو بالتأكيد خطوة إيجابية ومهمة، لكنه غير كافٍ لتلبية المطالب اللغوية والثقافية للكورد".
ويرى أن المرحلة التالية ينبغي أن تمنح الكوردية صفة اللغة الرسمية الثانية إلى جانب العربية في المناطق الكوردية، بحيث تستخدم في التعليم والإدارات العامة ومؤسسات الدولة.
والقرار التعليمي الجديد يوسع مكانة الكوردية في المدرسة، لكنه لا يغير وضعها الدستوري. فهي لا تزال "لغة وطنية"، وليست لغة رسمية ثانية.
ولهذا يطالب سياسيون كورد بألا تبقى الحقوق مرتبطة بالمراسيم والقرارات التنفيذية وحدها، وإنما أن تثبت في الدستور المقبل.
ذاكرة أطول من المنهاج
ويصعب فهم حساسية اللغة الكوردية في سوريا بعيداً عن تاريخ يمتد لعقود.
ففي عام 1962، أدى إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة إلى تجريد نحو 120 ألف كوردي من الجنسية السورية، وفق توثيق منظمة "هيومن رايتس ووتش"، وانتقلت آثار انعدام الجنسية لاحقاً إلى أجيال من تلك العائلات.
ولم تكن الجنسية وحدها موضع الخلاف، فقد وثقت المنظمة قيوداً على استخدام الكوردية، وحظر مطبوعات بها، والتضييق على أنشطة ثقافية واحتفالات كوردية، إلى جانب سياسات مست الهوية الثقافية للكورد.
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ترسخت خلال العقود التالية سياسات التعريب والإقصاء الثقافي واللغوي، واستمر جانب كبير منها في عهد بشار الأسد.
ويرى الكاتب خلدون قتلان أن إدخال الكوردية إلى المناهج لا يمكن فصله عن هذا التاريخ.
ويقول قتلان لوكالة شفق نيوز، إن الخطوة تتجاوز كونها إجراء تربوياً لتصبح، في سياق العقود السابقة، "فعلاً تصحيحياً"، يعيد الاعتبار لهويات جرى تغييبها، ويقدم التنوع الثقافي واللغوي باعتباره جزءاً من الوحدة الوطنية وليس تهديداً لها.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن قيمة القرار ستبقى مرتبطة بطريقة تنفيذه.
فإعداد مناهج ذات مستوى أكاديمي، وتأهيل عدد كاف من المدرسين المتقنين للكوردية وقواعدها، يمثلان في رأيه اختباراً أساسياً، محذراً من أن نقص الكوادر قد يحول الحصص الجديدة إلى "مجرد واجهة شكلية لا قيمة تربوية لها".
وبعد عام 2011، تغيرت المعادلة في أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا.
فمع انحسار سلطة دمشق، اتسع استخدام الكوردية، ثم أصبحت لغة تعليم داخل النظام الذي طورته الإدارة الذاتية، ونشأ جيل من الطلاب درس بها سنوات متتالية.
لكن ذلك النظام بقي خارج المنظومة الرسمية للدولة المركزية، وظلت المناهج والشهادات والاعتراف بها موضع خلاف مع دمشق.
ويقول عبد عيسى لشفق نيوز إن أثر العقود السابقة يمكن رؤيته بوضوح بين الأجيال الجديدة.
فكثير من الشباب، بحسبه، يتحدثون الكوردية لكنهم لا يجيدون القراءة والكتابة بها، نتيجة غيابها الطويل عن التعليم الرسمي.
ويضيف "المطلوب مناهج قوية، ومعلمون مؤهلون، ودعم رسمي وثقافي حتى تستعيد اللغة مكانتها الطبيعية في وطننا سوريا".
ويذهب أبعد من المدرسة قائلاً "أين المشكلة أن تكون في الجامعات السورية كلية للآداب الكوردية، وحتى برامج للدكتوراه باللغة الكوردية كأي لغة أخرى؟".
أين ستُدرّس الكوردية؟
بحسب تصريحات وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو، لا يفترض أن تقتصر التجربة على محافظة الحسكة أو المناطق ذات الغالبية الكوردية.
وقال تركو إن التعليم بالكوردية ينبغي أن يصل إلى المناطق التي يوجد فيها كورد، مشيراً إلى حلب ودمشق وحمص وحماة، إضافة إلى عفرين، التي قال إن الوزارة ستعمل على افتتاح التعليم بالكوردية فيها وتأهيل مدرسين لهذا الغرض.
أما الكادر التدريسي، فنص القرار على إمكان استقطاب المدرسين من داخل ملاك الوزارة أو خارجه، مع إخضاع المتقدمين لاختبارات كتابية وشفهية للتحقق من إتقان اللغة، وتنظيم برامج تدريب وتأهيل لهم.
وقد يكون هذا أول الاختبارات العملية للقرار، إذ لم يكن النظام التعليمي المركزي، طوال عقود، ينتج مناهج كوردية أو يعد مدرسين للغة على النطاق المطلوب حالياً.
ويصعب تجاهل توقيت القرار، حيث اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الشرع ومظلوم عبدي كان قد نص على أن المجتمع الكوردي مكون أصيل في الدولة السورية، وعلى ضمان حقوقه الدستورية وحقه في المواطنة، بالتوازي مع دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن مؤسسات الدولة.
وتعثر تنفيذ الاتفاق قبل أن يتسارع المسار خلال عام 2026.
وفي 25 آب/أغسطس، أعلن عبدي من دمشق انتهاء مهمة "قسد" وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عملية دمجها ضمن مؤسسات الدولة.
وبعد يومين صدر قرار توسيع موقع الكوردية في المناهج، ثم عُيّن عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية.
ولا يكفي تتابع هذه الأحداث لإثبات وجود رابط تفاوضي مباشر بينها، لكنه يكشف طبيعة المرحلة الجديدة.
فمع انتقال مركز الثقل العسكري والإداري إلى مؤسسات الدولة، يتحول النقاش الكوردي بصورة متزايدة إلى طبيعة الحقوق التي ستضمنها هذه المؤسسات، ومدى قدرتها على الاستمرار بعد انتهاء الترتيبات الانتقالية.
وهنا يرى خلدون قتلان أن التحدي الحقيقي ليس صدور القرار بقدر ما هو استدامته.
ويتساءل عما إذا كانت الخطوات الحالية ستكون بداية "لسياسة وطنية شاملة تعترف بتنوع سوريا بكل مكوناتها"، أم أنها ستبقى مرتبطة بظرف سياسي معين.
اختبار السادس من أيلول
ويرى عبد الحكيم بشار أن الخطوة التعليمية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الحقوق الكوردية ما لم تُدعَم بتشريعات واضحة وتثبيت دستوري يحول دون التراجع عنها مستقبلاً.
لكن قبل الوصول إلى الدستور، ثمة اختبار أقرب يبدأ مع افتتاح المدارس في السادس من أيلول.
ففي ذلك اليوم ستظهر التفاصيل التي لا تكشفها القرارات وحدها، من عدد المدارس التي ستدرّس الكوردية، وتوافر المدرسين والكتب، إلى الطريقة التي ستوضع بها الحصص في الجدول ومدى إقبال الطلاب عليها.
وهذه التفاصيل هي التي ستحدد، عملياً، إن كان القرار قد أسس لمسار تعليمي قابل للاستمرار، أم أنه سيواجه منذ بدايته مشكلات التنفيذ التي حذر منها سياسيون وباحثون كورد.
المعلّم الذي فُصل من التربية لأنه "ضحك بالكوردي" لم تعد تهمته قائمة، والوزارة التي فصلته تعلن اليوم حاجتها إلى معلّمين مثله، وتختبر إتقانهم اللغة، وتطبع لهم مناهج.
يبقى أن يجلس أمامهم طلاب في أيلول، وأن يعودوا إلى الصف نفسه في أيلول الذي يليه.