شفق نيوز- واشنطن/ مصطفى هاشم

من تفجير فندق القناة في صيف عام 2003، الذي أودى بحياة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو وعشرات العاملين الدوليين، إلى إغلاق بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في نهاية عام 2025، تمتد رحلة حافلة بالأحداث والتحولات التي رسمت ملامح العراق الحديث.

يستعيد الدبلوماسي والمتحدث الأممي السابق عبد الحميد صيام، في حديثه لوكالة شفق نيوز، محطات من مسيرة استمرت أكثر من عقدين، عاصر خلالها العراق في واحدة من أكثر مراحله دموية وتعقيداً، متوقفاً عند تداعيات الغزو، وتحديات بناء الدولة، ومستقبل الدور الأممي، وصولاً إلى مؤشرات التعافي واستعادة السيادة.

النجاة من الموت

يعود صيام بذاكرته إلى الأشهر الأولى التي أعقبت غزو العراق عام 2003، حين وصل إلى بغداد ضمن أوائل العاملين في طاقم الأمم المتحدة، في وقت كانت فيه العاصمة تعيش اضطراباً أمنياً واسعاً، وسط انتشار القوات الأميركية وتصاعد أعمال العنف والاغتيالات والتفجيرات.

ويقول إن التحركات اليومية للعاملين الدوليين كانت تخضع لقيود أمنية مشددة، في ظل المخاطر التي أحاطت بمقر البعثة الأممية في فندق القناة.

لكن يوم 19 آب/أغسطس 2003 بقي المحطة الأكثر قسوة في ذاكرته، حين استهدف تفجير انتحاري مقر الأمم المتحدة، في هجوم أودى بحياة 22 من موظفيها، بينهم الممثل الخاص للأمين العام سيرجيو فييرا دي ميلو.

ويروي صيام كيف نجا من التفجير، فيما قُتلت زميلة كانت قد جلست في مكتبه لتتولى مهامه نيابة عنه لمدة أسبوعين، في واقعة تركت أثراً عميقاً في حياته المهنية والإنسانية.

ووَثّق المتحدث الأممي، تجربته لاحقاً في كتابه "ذلك اليوم العصيب"، قبل أن يواصل توثيق خبراته الدبلوماسية والميدانية في مناطق النزاع من خلال كتابه "السير عبر حقول من الألغام".

نهاية المهمة

ويستعرض صيام مسار بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت لدعم البلاد في مرحلة ما بعد الغزو، واستمرت في أداء مهامها لمدة 22 عاماً، قبل أن تُغلق رسمياً في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، بإشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق محمد الحسان.

ويرى أن انتهاء مهمة البعثة السياسية لا يعني انسحاب الأمم المتحدة من العراق، بل يعكس انتقال البلاد إلى مرحلة باتت فيها مسؤولية إدارة شؤون الدولة والقرارات السيادية تقع على عاتق مؤسساتها الوطنية.

ويوضح أن المنظمات الأممية التنموية والإنسانية، ومنها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأغذية العالمي، تواصل عملها في العراق، إلى جانب الآليات المعنية بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في سنجار.

ويكمن التحول الأساسي، بحسب صيام، في طبيعة الدور الأممي؛ إذ باتت المساعدة الفنية والرقابة الانتخابية متاحتين وفقاً لاحتياجات العراق وطلباته، فيما أصبحت إدارة الدولة وتحديد أولوياتها من مسؤولية العراقيين أنفسهم.

الفساد وحصر السلاح

وعن التحديات التي تواجه العراق، يشير صيام إلى أن الفساد يمثل معضلة دولية، لكنه تفاقم في البلاد خلال السنوات الأولى التي أعقبت عام 2003، وألقى بظلاله على مؤشرات النزاهة ومؤسسات الدولة.

ويشدد على أن تفكيك شبكات الفساد وملاحقة الجهات المتورطة فيه يقعان ضمن مسؤولية الدولة ورئاسة الوزراء، محذراً من إسناد مهام مكافحة الفساد إلى أشخاص متورطين فيه، ومؤكداً أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إرادة سياسية داخلية وإجراءات حازمة.

وعلى الصعيد الأمني، يرى صيام أن العراق لم يعد بحاجة إلى التحالفات الدولية لمكافحة الإرهاب، معتبراً أن القوات الأمنية باتت قادرة على التعامل مع الجيوب المتبقية للتنظيمات الإرهابية، ولا سيما في المناطق الحدودية، بعد تفكيك هياكلها الرئيسية.

أما بشأن سلاح الفصائل المسلحة، فيلفت إلى أن الحكومة تتبع مسار الحوار والتفاوض لإقناع الجماعات المسلحة بدمج عناصرها في مؤسسات الدولة الأمنية، بما فيها الجيش والشرطة.

ويؤكد أن التحدي الأساسي يتمثل في ترسيخ قناعة مجتمعية بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا من خلال دولة تحتكر استخدام القوة وفقاً للقانون، بما يضمن الأمن للأجيال المقبلة.

تحديات مستمرة

ويختتم صيام رؤيته بالقول إن العراق، رغم استمرار الملفات المعقدة والتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، أظهر مؤشرات على التعافي، من خلال عودة المهجرين، واستمرار الاستحقاقات الانتخابية، وتحرك الدورة الاقتصادية، واستمرار الإيرادات النفطية.

وتعكس هذه المؤشرات، وفق رؤيته، انتقال العراق تدريجياً من مرحلة الوصاية الدولية المرتبطة بظروف ما بعد الغزو إلى مرحلة أوسع من إدارة شؤونه الداخلية واستعادة دوره بوصفه دولة فاعلة تمتلك قرارها.

وبين ذاكرة تفجير فندق القناة وما تلاه من سنوات العنف والتحولات، يخلص صيام إلى أن مسيرة العراق لا تزال مفتوحة على تحديات كبيرة، لكنها تحمل في الوقت نفسه فرصاً لتعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار والسيادة.