شفق نيوز– بغداد
أثار قيام البنك المركزي العراقي بصرف حوالات الدولار وتحويلها إلى الدينار العراقي للمتعاقدين مع الشركات النفطية العاملة في العراق تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية، بشأن انعكاسات هذا الإجراء على تلك الشركات، ولا سيما ما يتعلق بالالتزامات الخارجية وكلفة التشغيل.
ويرى متخصصون أن استمرار العمل بهذا الإجراء قد يفرض أعباء مالية إضافية على الشركات التي تعتمد في تعاملاتها على الدولار، في ظل تقلبات سعر الصرف ومتطلبات السوق النفطية.
ويقول الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، في تغريدة له على موقع التواصل، إن "أكثر من 200 شركة عراقية متعاقدة مع شركات التراخيص النفطية تشغّل أكثر من 50 ألف عامل عراقي مهددة بخسائر مالية كبيرة وتسريح عمالها، بسبب توجيه البنك المركزي العراقي بعدم صرف حوالاتها الدولارية بالدولار وتحويلها إلى الدينار بالسعر الرسمي، مع أن عقودها بالدولار ونفقاتها أيضاً بالدولار"، مبيناً أن "الخسارة تحدث بسبب الفارق الكبير بين السعرين الرسمي والموازي للدولار مقابل الدينار"، ومشيراً إلى "انهيار شركات بسبب سعر الصرف".
من جهته، قال ممثل إحدى الشركات النفطية في تظاهرة نظمتها عدد من الشركات النفطية الثانوية المتعاقدة مع شركة نفطية عالمية، محمود حسن، إن "شركات عراقية تعمل في القطاع النفطي تواجه أزمة مستمرة منذ أكثر من عام دون التوصل إلى حلول"، محذّراً من "تداعيات خطيرة قد تصل إلى انهيار عدد كبير من تلك الشركات".
ويبين حسن، لوكالة شفق نيوز، أن "الشركات النفطية المتعاقدة، والتي تشغّل أكثر من 40 ألف عامل عراقي، بدأت تتعرض لضغوط مالية كبيرة بعد قيام الدولة بصرف مستحقاتها بالدولار وفق السعر الرسمي البالغ 131 ألف دينار مقابل 100 دولار، في وقت يبلغ فيه سعر الدولار في السوق الموازي نحو 155 ألف دينار"، مؤكداً أن "ذلك يسبب خسائر مباشرة للشركات".
ويضيف أن "الدولة، وبدلاً من دعم هذه الشركات، تدفعها إلى تقليص أعمالها"، مشيراً إلى أن "استمرار هذا الوضع سيجبر الشركات على تسريح عمالها وقد يؤدي إلى توقفها بشكل كامل"، لافتاً إلى أن "معظم الشركات المتعاقدة مع الشركات النفطية العالمية هي شركات عراقية، وقد بدأت بالفعل بعدم القدرة على دفع رواتب العاملين فيها".
وطالب حسن البنك المركزي العراقي بـ"التدخل العاجل وإيجاد حل يراعي طبيعة عمل هذه الشركات والتزاماتها"، محذّراً من أن "استمرار الأزمة سينعكس سلباً على القطاع النفطي وسوق العمل في البلاد".
وتعمل في العراق عدد من الشركات الثانوية التي تختلف من مشروع إلى آخر، وتنفذ أعمال الخدمات والتوريدات والصيانة والإنشاءات والنقل وغيرها، ضمن عقود مع شركات النفط أو مع شركات عالمية مرتبطة بالعقود.
العقد شريعة المتعاقدين
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي حمزة الجواهري، لوكالة شفق نيوز إنه "طالما العقود أساساً تنص على أن يكون الدفع بالدولار فإن الدفع يجب أن يكون كذلك"، مبيناً أن "الدفع بأي عملة أخرى يُعد مخالفاً لما نصت عليه العقود".
ويؤكد أنه "بإمكان هذه الشركات أن تشتكي لدى المحاكم المختصة، حيث القاعدة تقول إن العقد شريعة المتعاقدين".
هجرة الشركات النفطية الأجنبية
بدوره، يقول الخبير في شؤون الطاقة أحمد صباح، إن "قيام البنك المركزي العراقي بصرف حوالات مستحقات الشركات المتعاقدة مع الشركات النفطية بالدينار العراقي بدلاً من الدولار قد يدفع باتجاه استبعاد تدريجي لبعض الشركات الأجنبية، مقابل التركيز على الشركات المحلية أو تلك التي تقبل التعامل بالدينار"، موضحاً أن "عدداً من الشركات الغربية والأجنبية يعتمد على سلاسل توريد خارجية تتطلب الدفع بالدولار لتأمين المعدات والخدمات".
ويضيف، لوكالة شفق نيوز، أن "هذا الإجراء لا يُعد دائماً على المدى البعيد، ولا سيما في ظل كون الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال، ما يقلل من إمكانية تثبيت قرارات ذات تأثير استراتيجي طويل الأمد على القطاع النفطي"، مرجحاً أن "تحجم بعض الشركات الأجنبية الكبرى عن التوسع أو الدخول في تعاقدات جديدة إذا استمر العمل بهذه الآلية".
ويشير صباح إلى أن "القرار قد يكون مؤقتاً وقابلاً للتغيير خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا ما ظهرت انعكاسات سلبية على بيئة الاستثمار أو وتيرة العمل في الحقول النفطية"، لافتاً إلى أن "الإجراء لا يشكل رد فعل سياسي بقدر ما هو خطوة تنظيمية مرحلية".
خلق الثقة بالدينار العراقي
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، أن "محاولة عدم خلق سوق موازية للدولار دفعت البنك المركزي إلى عدد من الإجراءات لتعزيز الثقة بالدينار وتقويته، إلا أنها لم تكن عادلة في ظل استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي".
ويضيف، لوكالة شفق نيوز أن "البنك المركزي مطالب بإعادة النظر بسياسة التحويل الإجباري للعملة، لما تسببه من خسائر للمتعاملين، فضلاً عن فقدان السوق قناة مهمة لضخ الدولار بصورة مشروعة بعيداً عن المتاجرة والتداول غير القانوني للعملة الأجنبية"، مشدداً على ضرورة "إما التحويل بسعر حقيقي وعادل أو إيجاد آلية مختلفة للتعامل مع الشركات الأجنبية".
وتحذر الأوساط الاقتصادية من أن خسارة أو انهيار الشركات الثانوية النفطية المتعاقدة مع الشركات النفطية العالمية والمحلية سيؤدي إلى تعطّل الأعمال التشغيلية في الحقول النفطية، ولا سيما أعمال الصيانة والخدمات اللوجستية والتجهيز، بما ينعكس سلباً على استقرار الإنتاج، فضلاً عن فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل، نظراً لاعتماد هذه الشركات بشكل أساسي على العمالة العراقية.
كما أن انهيار هذه الشركات من شأنه إضعاف سلاسل التوريد ورفع كلفة التشغيل على الشركات الأجنبية، ما قد يدفع بعضها إلى تقليص نشاطه أو الإحجام عن الدخول في مشاريع جديدة، الأمر الذي يؤثر على بيئة الاستثمار النفطي ويحدّ من دور القطاع الخاص المحلي.