شفق نيوز- النجف / المثنى
تُعدُّ البادية بين محافظتي النجف والمثنى - التي تمتد على مساحات واسعة - من أبرز البيئات الطبيعية في العراق لاحتضانها أنواعاً متعددة من الحيوانات والطيور البرية، فضلاً عن كونها محطة مهمة للطيور المهاجرة، إلا أن هذه المنظومة تواجه تحديات متزايدة بفعل الجفاف وشح المياه والصيد الجائر ودخول المركبات والأسلحة إلى مناطقها الطبيعية.
وتكشف تصريحات مديري بيئتي النجف والمثنى، إلى جانب آراء مهتمين بحماية التنوع الأحيائي، عن وجود أنواع برية مختلفة في البادية، بعضها مقيم وبعضها مهاجر، في وقت تتواصل فيه الإجراءات الحكومية لمراقبة الصيد و الاتجار بالأنواع المشمولة بالحماية وفق اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض "سايتس".
بادية النجف.. رصد للحيوانات والطيور البرية
ويقول مدير بيئة محافظة النجف جمال عبد زيد شلاكة، لوكالة شفق نيوز، إن شعبة النظم البيئية الطبيعية في مديرية البيئة نفذت عمليات مسح ورصد للثدييات والحيوانات البرية في البيئات الصحراوية والزراعية والريفية، بهدف متابعة التنوع الأحيائي والأنواع الموجودة في المحافظة.
وأوضح أن من أبرز الحيوانات البرية التي يمكن رصدها في هذه البيئات الأرنب البري، والقنافذ، والثعلب الأحمر، وابن آوى الذهبي، والقوارض البرية، والخفافيش، مشيراً إلى أن هذه الأنواع تعتمد في انتشارها وكثافتها على توفر المياه والغذاء والغطاء النباتي، الأمر الذي يجعلها عرضة للتأثر بالتغيرات التي تشهدها البيئة الطبيعية.
الزواحف في بادية النجف
وأضاف أن المناطق الصحراوية والزراعية والمجاري المائية توفر موائل لعدد من الزواحف والبرمائيات، من بينها الضفادع، والسلاحف المائية، والسحالي، وأبو بريص، والثعابين، مؤكداً أن الحفاظ على موائل هذه الأنواع يعد جزءاً أساسياً من حماية التنوع الأحيائي، خصوصاً المناطق الرطبة والغطاء النباتي الذي يوفر الغذاء والمأوى للعديد من الحيوانات البرية.
اتفاقية "سايتس" ومراقبة الاتجار
وبيّن شلاكة أن مديرية بيئة النجف تواصل إجراءاتها لمتابعة تطبيق اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية "سايتس"، بهدف الحد من الاتجار غير المشروع بالأحياء الفطرية والحفاظ على الأنواع المهددة.
وأوضح أن المديرية تتابع الأسواق المحلية ومحال بيع الحيوانات والطيور الأليفة لرصد الأنواع المشمولة بالاتفاقية، إلى جانب تنفيذ زيارات ميدانية للمناطق الطبيعية والتنسيق مع الجهات الأمنية والرقابية بشأن أي مخالفات تتعلق بالاتجار أو الحيازة أو النقل غير القانوني للأنواع المحمية، مؤكداً أنه لم تسجل خلال الفترة المشمولة بالتقرير حالات اتجار دولي موثقة بالأنواع المدرجة ضمن ملاحق اتفاقية "سايتس" داخل المحافظة، مع استمرار أعمال الرصد والمتابعة.
بادية السماوة.. أنواع مقيمة ومهاجرة
وفي محافظة المثنى، قال مدير مديرية البيئة، أمير كاظم العارضي، للوكالة، إن المديرية تعمل بالتنسيق مع قيادة شرطة المثنى والشرطة البيئية على حماية الحيوانات والطيور البرية في بادية السماوة من الصيد الجائر.
وبيّن أن البيانات المتوفرة لدى المديرية تشير إلى وجود عدد من الطيور البرية المقيمة و المتكاثرة، إلى جانب طيور زائرة خلال فصل الشتاء، من بينها الغراب بني العنق، و القبرة المتوجة، والغراب الزيتوني الهندي، وعصفور الدوري، والحمام البري، والصرد الرمادي الكبير، والحوم طويل الساق، وأبلق البادية، منوهاً إلى أن تحديد هذه الأنواع اعتمد على المشاهدة والتصوير والاستعانة بالدليل الحقلي لطيور العراق.
الطيور المهاجرة تحت الحماية
وأكد العارضي أن الحماية تشمل الطيور المهاجرة التي تتخذ من البادية العراقية محطة للراحة أو التكاثر، مبيناً أن مديرية البيئة تتعاون مع قيادة شرطة المثنى لتوفير دوريات مستمرة خلال مواسم الهجرة.
ولفت إلى أن بادية السماوة تشهد مرور أنواع من الطيور المهاجرة، إلا أن الجفاف وتراجع مصادر المياه والغطاء النباتي أثرا بصورة كبيرة في البيئة الطبيعية، وأديا إلى تراجع توافد الطيور المهاجرة بسبب قلة المياه والغذاء.
صقر الشاهين وأنواع محمية
وفي ما يتعلق بالأنواع التي يمنع صيدها، أوضح العارضي أن صقر الشاهين وبعض أنواع الضب والثعالب والذئاب مشمولة بالحماية، مؤكداً وجود قائمة رسمية لدى وزارة البيئة تضم أنواعاً من الحيوانات التي يمنع صيدها وفق ملاحق اتفاقية "سايتس".
وأضاف أن حماية الأنواع البرية لا تتوقف على منع الاتجار الدولي بها، وإنما تشمل مراقبة عمليات الصيد والحيازة والنقل، والتنسيق مع الجهات الأمنية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
الصيد يحتاج إلى إجازة
وأكد مدير بيئة المثنى أن ممارسة الصيد تحتاج إلى إجازة رسمية، مبيناً أن الإجراءات تتضمن تقديم طلب لمنح سمة الدخول وجرد أنواع العجلات والأسلحة والأدوات المستخدمة.
وأشار إلى أن الأنواع المسموح بصيدها، وفق الإجراءات التي أشار إليها، تشمل القطا والسمان، فيما تمتد مواسم الصيد المسموح بها من الأول من كانون الأول إلى الأول من شباط، مبينا أن شرطة المحافظة هي الجهة المسؤولة عن مراقبة الصيد، مع وجود تنسيق مع مديرية البيئة لتنفيذ الحملات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
الجفاف يغير حركة الحيوانات والطيور
ويعد الجفاف أحد أبرز العوامل المؤثرة في الحياة البرية في البادية، بحسب مدير بيئة المثنى، الذي أكد أن تراجع مصادر المياه والغطاء النباتي أثر بصورة كبيرة في حركة الحيوانات والطيور.
وقال إن قلة المياه والغذاء أدت إلى تراجع توافد الطيور المهاجرة إلى مناطق من بادية السماوة، فيما تضطر الحيوانات والطيور إلى البحث عن مناطق أخرى تتوفر فيها المياه والغذاء.
أنواع اختفت من البادية
وفي شهادة مستقلة، قال أحمد حمدان جبر، من تجمع حماية البيئة والتنوع الاحيائي، لوكالة شفق نيوز، إن عدداً من الطيور والحيوانات البرية تعرض للانقراض أو أصبح مهدداً بالانقراض في بادية المثنى والبوادي العراقية، نتيجة الصيد الجائر والاستنزاف البيئي.
وأوضح أن طائر الحبارى الكبير يعد، بحسب المعلومات التي قدمها، من أوائل الطيور التي انقرضت من البيئة العراقية، مشيراً إلى أن ذلك حدث في بدايات القرن العشرين، وتحديداً بين عامي 1910 و1915 تقريباً.
وأضاف جبر أن الغزال البري المعروف بالريم العراقي أو الريم العربي انقرض من بادية السماوة عام 1974، فيما انقرض النعام من عموم البادية الجنوبية العراقية عام 1945، منوها إلى
أن أنواعاً أخرى أصبحت مهددة بالانقراض، من بينها النسر العراقي، والهدهد، والسمام، والقطا، والحمام، والأرانب البرية، والدعلج، فضلاً عن بعض أنواع الزواحف.
المركبات والأسلحة تضغط على الحياة البرية
وبيّن جبر أن دخول الآليات والعجلات إلى مناطق البادية وانتشار الأسلحة بين بعض الرعاة والسياح، إلى جانب الصيد الجائر، أسهمت في الضغط على الحيوانات والطيور البرية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات، مع ضعف الضوابط والرقابة في بعض المناطق، يؤدي إلى استنزاف الأنواع البرية ويهدد التوازن الطبيعي للبادية.
نقص المسوحات يترك فجوة في البيانات
وكشف مدير بيئة المثنى أن المديرية لا تمتلك حالياً مسحاً حديثاً يوضح أعداد وأنواع الحيوانات والطيور البرية في بادية السماوة، عازياً ذلك إلى عدم توفر السيارات والتخصيصات المالية اللازمة لتنفيذ عمليات المسح الميداني.
وتشكل هذه الفجوة تحدياً أمام تحديد حجم التغير الذي طرأ على أعداد الأنواع البرية، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية والجفاف وتراجع مصادر المياه.
البادية أمام اختبار بيئي
وتشير المعطيات التي قدمتها مديريتا بيئة النجف والمثنى إلى أن بادية المحافظتين ما زالت تضم تنوعاً مهماً من الحيوانات والطيور البرية، إلا أن استمرار الجفاف وشح المياه وتراجع الغطاء النباتي والصيد الجائر قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على هذه الأنواع.
ويحتاج الحفاظ على الحياة البرية في البادية إلى مسوحات ميدانية دورية، وتوفير الإمكانات للفرق البيئية، وتشديد الرقابة على الصيد، وحماية الطيور المهاجرة، وتطبيق القوانين الخاصة بالأنواع المحمية، وتعزيز تنفيذ اتفاقية "سايتس".
فالحفاظ على الحيوانات والطيور البرية لا يرتبط بحماية الأنواع من الانقراض فحسب، بل بالحفاظ على منظومة بيئية متكاملة، يمثل اختفاء أي عنصر منها خسارة للتنوع الأحيائي في البادية العراقية.
"سايتس".. حماية دولية للأنواع المهددة
وتبرز اتفاقية "سايتس" كإطار دولي لحماية الأنواع المهددة من تأثير التجارة الدولية، من خلال تنظيم التجارة بالأنواع المشمولة بملاحقها، ووضع ضوابط على نقلها والاتجار بها.
وتؤكد الجهات البيئية في النجف والمثنى أهمية تطبيق متطلبات الاتفاقية ومراقبة الأسواق وحركة الحيوانات والطيور، إلى جانب التعاون مع الأجهزة الأمنية والشرطة البيئية للحد من الصيد والاتجار غير المشروع.