شفق نيوز- واشنطن
مصطفى هاشم
حذر معهد الشرق الأوسط الأميركي، مساء اليوم الأربعاء، من أن استمرار الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على إيران يهدد بانفلات السيطرة الإقليمية، مقترحاً أن الحل الوحيد يكمن في بناء منظومة أمنية شاملة.
وأطلق المعهد الذي يتخذ من العاصمة الأميركية واشنطن مقراً له، تقريره الإستراتيجي المشترك بعنوان "الشرق الأوسط بعد حرب إيران"، خلال ندوة نقاشية موسعة سلطت المداولات فيها الضوء على تداعيات الصراع المستمر منذ ثمانية أشهر، والتحولات الجوهرية في موازين القوى، وتآكل منظومات الردع التقليدية، إلى جانب فحص المشهد الداخلي في كل من طهران وواشنطن على أعتاب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي.
وحذرت الندوة التي حضرها مراسل وكالة شفق نيوز، من انزلاق إقليمي شبيه ببدايات الحرب العالمية الأولى، مؤكدة أن الحل الوحيد يكمن في تأسيس هيكل أمني جماعي لا يستثني أي طرف.
الحسابات الإيرانية
وخلال الندوة، استعرض أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيتسبرغ ومحرر سلسلة الكتب بالمعهد، روس هاريسون، مضامين ورقته البحثية المعنونة "التفكير الإستراتيجي لإيران: الدروس المستفادة وما بعد ذلك".
وبين أن صانع القرار في طهران يتحرك من فرضية راسخة مفادها أن الهدف النهائي للولايات المتحدة يظل تغيير النظام، وهي عقيدة تشكلت عبر محطات تاريخية متراكمة تمتد من الحرب العراقية الإيرانية والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018 واغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020، وصولاً إلى مواجهات حربي 2025 و2026.
وأشار هاريسون إلى أن إيران توظف الدبلوماسية القسرية لفرض واقع يجبر دول الخليج على إدراك أن الأمن الإقليمي لا يمكن استيراده أو احتكاره عبر الشراكة مع واشنطن وحدها، بل يتطلب تفاهما مباشراً مع طهران.
واعتبر أن القيادة الإيرانية ترى في القبول غير المشروط بوقف إطلاق النار مؤشراً يفسره الجانب الأميركي على أنه ضعف وفقدان للردع، وهو ما يجعلها مستعدة للمجازفة بتوسيع رقعة الاشتباك بدلا من القبول بتهدئة مؤقتة تتلوها ضربات جديدة.
وعلى الصعيد الداخلي، لفت هاريسون إلى خلط القيادة الإيرانية بين بقاء النظام وبقاء الدولة؛ فرغم التراجع الحاد في الشرعية الشعبية وتفاقم الأزمات الاقتصادية، ينصب التركيز بالكامل على تأمين السلطة، مما يجعل مسألة إعادة صياغة العقد الاجتماعي ملفاً مؤجلاً سينفجر فور توقف العمليات العسكرية.
وفي قراءته للسيناريوهات المستقبلية، حدد هاريسون ثلاثة مسارات: العزلة، أو الدفاع المتشدد مع انخراط إقليمي انتقائي، أو التهدئة الشاملة مستشهداً بنموذج فيتنام التي تحولت بعد عقود من الحرب إلى فاعل إقليمي مسؤول.
كما قلل من احتمالية اندفاع طهران نحو تصنيع سلاح نووي فوري بسبب حجم الاختراق الاستخباراتي الغربي والإسرائيلي الداخلي، متوقعاً اعتمادها على إعادة بناء أدوات الردع غير المتكافئة والمسيرات والتحالفات الدولية.
معضلة الدفاع الجوي
من جهته، قدم المدير السابق لملف أفغانستان في مكتب وزير الدفاع الأميركي، جيسون كامبل تحليلاً ميدانياً مستمداً من دراسته "سياسة الدفاع الإقليمية للولايات المتحدة: تحديد الأولويات الاستراتيجية وتعزيز الدفاع الجماعي".
وأكد أن الإدارة الأميركية تعمل ضمن واقع مقيد بالموارد وصعوبة الوصول السياسي والجغرافي، مع غياب أي أفق لاتفاق شامل يعالج البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو شبكات الوكلاء.
وفكك كامبل المفارقة الحسابية للدفاعات الجوية؛ حيث أوضح أنه على الرغم من تحقيق شبكات الاعتراض نسب نجاح تفوق 95%، إلا أن ذلك لا يحسم المواجهة لأن اختراق مقذوفات قليلة يكفي لإحداث أضرار مدمرة.
وأوضح أن الخلل البنيوي يكمن في تصميم الدفاعات التقليدية لاعتراض صواريخ باليستية باهظة ومحدودة، بينما تعتمد إيران وحلفاؤها إستراتيجية الإغراق بمزيج من الطائرات المسيرة الرخيصة وصواريخ كروز المنخفضة، مما يؤدي إلى استنزاف مستودعات الصواريخ الاعتراضية الأميركية بمعدلات استهلاك غير قابلة للاستدامة تصنيعياً ومالياً.
ودلل كامبل على هذا العجز بواقعة تدمير رادار قيمته مليار دولار كان موضوعاً تحت حماية بطارية ثاد تتجاوز قيمتها مئات الملايين، حيث تم استهداف المنظومتين وتدميرهما معاً.
وتطرق إلى البعد الدولي للأزمة، مشيرا إلى مساعدة موسكو لإيران في عمليات التوجيه وتحديد الأهداف، فضلاً عن تدفق مكونات صواريخ صينية إلى طهران وميليشيا الحوثي.
ودعا كامبل واشنطن إلى التخلي عن دور الضامن الحصري للأمن والتحول إلى ممكن أمني يتيح لحلفائه تنويع مصادر دفاعاتهم الذاتية، مثل الاستعانة بتقنيات المسيرات الأوكرانية، شرط الحفاظ على التوافق والتشغيل البيني المشترك.
وأشاد في الوقت نفسه بصلابة قنوات التنسيق العسكري الميداني بين القيادة المركزية الأميركية والقيادات الخليجية بعيداً عن الخلافات السياسية في واشنطن.
التصدع النووي التركي
وفي المداخلة المخصصة للأبعاد الإقليمية، كشفت مديرة برنامج تركيا بالمعهد غونول تول عن تصدع تاريخي في العقيدة الأمنية التركية؛ حيث أظهر استطلاع حديث تأييد 85% من الأتراك لامتلاك بلادهم سلاحاً نووياً عقب الحرب الإيرانية.
وبينت أن الركائز الثلاث التي حكمت سياسة أنقرة منذ عام 1959 في دعم منع الانتشار والاعتماد على مظلة الناتو والحفاظ على الاندماج الغربي قد تآكلت بفعل تدهور الثقة في الضمانات الأميركية، والمخاوف من إبرام اتفاق نووي بين واشنطن والرياض، وتحديداً بعد سقوط صواريخ إيرانية داخل الأراضي التركية، ما شكل صدمة بالغة لكونها دولة كاملة العضوية في "الناتو".
ورجحت تول لجوء تركيا إلى إستراتيجية التحوط النووي التي تجعلها على العتبة التكنولوجية عبر امتلاك دورة وقود متكاملة وتطوير مفاعلات بالتعاون مع كندا لإنتاج مواد انشطارية خارج أطر الرصد التقليدية، متفادية الصدام المباشر كعقوبات صفقة أس-400.
وحثت الإدارة الأميركية على المبادرة بإنشاء بنك إقليمي لليورانيوم المخصب يخضع لرقابة دولية مشددة لكبح سباق التسلح.
كما استبعدت تول واقعية تشكيل حلف دفاعي شبيه بالناتو الإسلامي يضم تركيا والسعودية وباكستان، نظراً لاختلاف أولويات التهديد وتضارب منظومات التسليح التقنية بين الأطراف الثلاثة، فضلاً عن الرواسب السياسية العالقة بين أنقرة والرياض منذ الربيع العربي، والقيود الاقتصادية التركية التي جعلت أنقرة تعتمد على التمويل السعودي في مشاريع مقاتلات الجيل الخامس ضمن اتفاق مكة، ما يحصر القيادة الإقليمية بيد المملكة.
وفي الملف المصري، أشار الباحثون إلى أن القاهرة تجد نفسها في تموضع دفاعي معقد نتيجة اشتعال محيطها المباشر من البحر الأحمر وباب المندب إلى الحدود السودانية، مما يجعلها منخرطة في التنسيق الدفاعي مع الخليج لكن بحذر شديد يحول دون تورطها في عمليات قتالية هجومية مباشرة في اليمن.
انفلات التصعيد
توقف المتحدثون أمام تحذيرات مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجينسكي، محذرين من فقدان الفاعلين السيطرة على وتيرة المواجهة، حيث تقود الحسابات الخاطئة في ظل تعدد الجبهات إلى صراع مفتوح تعجز الدبلوماسية عن إيقافه، مشبهين الظرف الحالي بالظروف المعقدة التي فجرت الحرب العالمية الأولى.
وأعرب المشاركون عن قلقهم من عدم إمكانية التنبؤ بقرارات الإدارة الأميركية وردود أفعال الرئيس دونالد ترامب، مؤكدين أن نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس لن توقف مسار التصعيد بالضرورة، وإن كانت قد تفرض بعض القيود على التمويل التشغيلي.
وانتهت الندوة إلى وضع محددات واضحة للمسار الدبلوماسي الواجب اتباعه:
أولاً: التخلي التام عن سياسات توازن القوى الخارجي والتكتلات الإقصائية الهادفة لمحاصرة إيران، نظراً لأن عزل الخصوم أثبت فشله وأدى إلى سلوك إيراني أكثر شراسة وهجومية.
ثانياً: الاستفادة من النماذج التاريخية التي أفرزت نظماً أمنية مستقرة من رحم النزاعات الدامية، مثل النموذج الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية وتجربة التحول الفيتنامي.
ثالثاً: ضرورة التحرك العاجل تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية والشركاء الإقليميين لوقف إطلاق النار وتطبيق مبدأ الكف عن تعميق الأزمة القائمة، تمهيدا لبناء هيكل أمن جماعي شامل يضم سائر الأطراف المتصارعة على طاولة تفاوض واحدة كضمانة أخيرة لمنع انهيار الاستقرار في المنطقة.