شفق نيوز- النجف
منذ أكثر من ألف عام، حافظت المرجعية الدينية في النجف على نهجها المعتدل في التعاطي مع مختلف القضايا السياسية والاجتماعية التي مرّ بها العراق، واضعةً مصلحة البلاد واستقرار المجتمع فوق كل الاعتبارات.
وعلى امتداد تاريخها، دعت المرجعية إلى تغليب لغة الحوار والحلول السياسية والدبلوماسية، والابتعاد عن الاقتتال والعنف الذي يهدد حياة الناس ووحدة المجتمع.
وفي الوقت الذي كانت تؤكد فيه أهمية التهدئة والتعايش السلمي، لم تتردد المرجعية في اتخاذ مواقف حاسمة عندما واجه العراق أخطر التحديات الأمنية، إذ أطلقت فتوى "الجهاد الكفائي" بعد اجتياح تنظيم "داعش" الإرهابي لعدد من المدن العراقية، حين بات الخطر يهدد وجود الدولة والمجتمع معاً.
وقد أسهمت تلك الفتوى في حشد العراقيين للدفاع عن بلدهم، لتشكل محطة مفصلية في مواجهة الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار.
في غضون ذلك، قال الباحث راجي نصير، لوكالة شفق نيوز، إن "المرجعية الدينية في النجف لعبت دوراً محورياً في حماية وحدة العراق ومنع انزلاقه نحو الحرب الأهلية بعد العام 2003، عبر تبني خطاب يدعو إلى التهدئة والحوار ونبذ الطائفية، رغم موجات العنف والتفجيرات التي استهدفت المدنيين والمراقد الدينية".
وأشار نصير، إلى أن "المرجع الديني الأعلى علي السيستاني رفض، عقب اغتيال محمد باقر الحكيم عام 2003، وتفجيرات كربلاء والكاظمية ومسجد براثا والحلة ومدن أخرى، توجيه الاتهامات إلى أي جهة مذهبية"، مؤكداً أن "الهدف من تلك العمليات كان إشعال الفتنة بين العراقيين ومنع استقرار البلاد".
وأضاف نصير، أن "المرجعية شددت في بياناتها على ضرورة الوعي والحذر من الجهات التي تسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي"، داعية إلى "معالجة الأزمات عبر الحكمة وضبط النفس، وعدم الانجرار وراء ردود الأفعال الطائفية".
كما تابع قائلاً إن "تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006 مثّل أخطر اختبار لوحدة العراقيين، إلا أن المرجعية الدينية تمكنت من احتواء الغضب الشعبي عبر الدعوة إلى التظاهر السلمي وتحريم الاعتداء على المساجد والمراقد التابعة لجميع الطوائف، مع التأكيد على أن الاقتتال الداخلي يخدم الجماعات الإرهابية فقط".
وأوضح الباحث أن "مواقف المرجعية، ولاسيما بيانات السيستاني، أسهمت بشكل كبير في تهدئة الشارع العراقي ومنع انحداره إلى حرب أهلية شاملة، رغم حجم الاحتقان الطائفي آنذاك"، مبيناً أن "المرجعية تبنت خطاباً وطنياً معتدلاً يستند إلى الحوار والتعايش واحترام جميع المكونات".
ولفت نصير، إلى أن "المرجعية الدينية نجحت، خلال السنوات التي أعقبت سقوط النظام السابق، في التأثير على الرأي العام العراقي وتوجيهه نحو المشاركة السياسية وبناء دولة مدنية دستورية، فضلاً عن دورها في إفشال مشاريع الفتنة الطائفية، والحفاظ على وحدة العراق واستقراره".
دعوات للتهدئة
فيما قال مصدر مقرب من المرجعية الدينية في النجف لوكالة شفق نيوز، إن "المرجعية الدينية ترى أنه بعد هذا الحجم من الفساد والسرقات، أصبح من الصعب وجود ممثل مؤتمن عن الشعب يستطيع التفاوض سياسياً أو دبلوماسياً باسم العراقيين".
في حين، أكد علي باقر، وهو استاذ في الحوزة الدينية في النجف لوكالة شفق نيوز، أن "المرجعية الدينية لا تؤمن بالقتال وسفك الدماء إلا إذا رأت وجود خطر خارجي يهدد الدولة وسيادتها".
ووفقاً لباقر، فإن المرجعية وعلى مدى أكثر من ألف عام، لم تصدر فتوى جهاد إلا عند تعرض الدولة إلى أخطار تهدد كيانها وسيادتها، أو عند تعرض المواطنين إلى القتل والتهجير والانتهاكات المختلفة، موضحاً أن المرجعية الدينية في النجف تدعو دائماً، في بياناتها وتصريحاتها، إلى الالتزام بقوانين الدولة وعدم معارضتها إذا كانت تصب في خدمة الشعب.
وبحسب حديث استاذ الحوزة، فإن سياسة مرجعية النجف تختلف عن مرجعية قم في إيران في أمور عدة ومنها ولاية الفقيه، داعياً جميع الكتل السياسية إلى "الالتزام بتوجهات المرجعية الدينية في النجف، والعمل بما تدعو إليه من أجل عراق خالٍ من القتال، وعدم إشراك البلاد في مشكلات وصراعات الدول الإقليمية".
تجنب سفك الدماء
من جانبه، قال محمد علي، وهو طالب في الحوزة الدينية لوكالة شفق نيوز، إن المرجعية الدينية تتبع منهج أهل البيت منذ أكثر من ألف عام، والقائم على تجنيب الدولة الانخراط في القتال وسفك الدماء.
وشدد على ضرورة اعتماد الحلول السياسية والدبلوماسية في معالجة المشكلات مع الدول الإقليمية والمجاورة، وتجنب إدخال البلاد في أزمات وحروب وانعكاسات اقتصادية.
وختم علي، حديثه بالقول إن المرجعية في العام 2014 أطلقت على المشاركين في فتوى الجهاد الكفائي صفة "المتطوعين"، ودعتهم إلى الالتحاق بوزارتي الداخلية والدفاع.
وكان المرجع الديني محسن الحكيم، قد أصدر خلال ستينيات القرن الماضي مواقف وفتاوى تدعو إلى تجنب القتال الداخلي بين العرب والكورد، ورفض سفك الدماء بين أبناء الشعب العراقي.
وجاءت تلك المواقف في ظل الصراع الذي كان قائماً آنذاك بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية، حيث دعا الحكيم إلى الحلول السلمية والحوار، واعتبر الاقتتال الداخلي محرماً لما يسببه من تمزيق للنسيج الوطني وإراقة للدماء.
وتُستشهد تلك الفتوى والمواقف عادةً بوصفها مثالاً على نهج مرجعية النجف في رفض الصراعات الداخلية والدعوة إلى الحفاظ على وحدة المجتمع العراقي ومعالجة الأزمات عبر التفاهم السياسي.