شفق نيوز- بغداد

بعد عقود على تشييد عدد من المجمعات السكنية في بغداد، والتي مثّل بعضها منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي واجهات عمرانية بارزة في العاصمة، تواجه تلك المجمعات اليوم مشاكل متراكمة في الصيانة والخدمات، انعكست على حياة سكانها وعلى الإقبال على البيع والإيجار فيها.

وتعد مجمعات الصالحية وحي السلام (حي صدام سابقاً) وزيونة وشارع حيفا، من أبرز المجمعات السكنية التي ارتبطت بمرحلة التوسع العمراني التي شهدتها بغداد خلال العقود الماضية، إلا أن أجزاءً منها تعاني اليوم، بحسب سكان ومختصين، من تراجع مستوى الصيانة وتقادم البنى الخدمية المشتركة.

ويربط مختصون هذا التراجع، إلى تداخل المسؤوليات بين الجهات الحكومية والخدمية وإدارات المجمعات والسكان، ولا سيما فيما يتعلق بصيانة الأجزاء المشتركة وشبكات المياه والمجاري والمصاعد والمنظومات الكهربائية.

ويعود إنشاء مشروع مجمع الصالحية إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي وانجز في سنة 1983، ومجمع حي السلام تم إنشاؤه 1985 فيما شُيدت مجمعات أخرى خلال الفترة نفسها، في حين نفذت مشاريع سكنية أحدث بعد عام 2003، من بينها مجمعات في مناطق شمالي بغداد.

وفي مجمع حي السلام، تقول دينا ياسر، وهي من سكنة المجمع، لوكالة شفق نيوز، إن السكان يعانون من تراجع كبير في الخدمات.

وتوضح "نسهر أحياناً حتى الفجر من أجل الحصول على الماء وملء الخزانات، كما نعاني من طفح المجاري في فصل الشتاء، أما الكهرباء الوطنية فوصولها محدود".

وتضيف أن الأهالي تقدموا بشكاوى متكررة إلى إدارة المجمع والجهات المعنية، لكن المشكلات ما تزال قائمة.

وتشير إلى أن بعض بنايات المجمع لا تضم مصاعد، ما يضطر سكان الطوابق العليا إلى استخدام السلالم، فيما يعتمد السكان أحياناً على إنارة فردية للممرات عند انقطاع الكهرباء.

وتقول إن مشكلة وصول المياه تكون أكثر حدة في الطوابق العليا.

بدوره يقول المواطن عمر لطيف من سكنة حي السلام أيضاً، إن مجمع حي السلام السكني، الذي بني في ثمانينيات القرن الماضي أصابه الإهمال، بدءاً من عدم شمول تلك المجمعات بالخدمات التي تقدمها أمانة بغداد في رفع النفايات، واقتصارها على خدمات التي لا يمكن أن تغطيه بالكامل، إضافة إلى شمولها بالقطع المبرمج حتى في فصل الصيف بعد أن كانت تشمل بالاستثناء من الساعة الثانية عشر ليلاً إلى السادسة صباحاً بسبب الخرسانة التي بنيت بها هذه المجمعات والتي تحتفظ بالحرارة ليلاً ونهاراً.

ويضيف لوكالة شفق نيوز، أن تلك المجمعات شملت بقطوعات المياه رغم أنها تمتلك مشاريع ماء لوحدها بعيداً عن مناطق العاصمة، ناهيك عن القدم الذي أصاب أغلب العمارات والذي تسبب بتهالك البنى التحتية والمجاري وخدمات الماء والكهرباء دون أن تكون هنالك أية خدمات تقدم من الدوائر المعنية.

ويلفت لطيف إلى وجود اشتراكات شهرية تعطى للجمعية بهذا المجمع تتعلق بالتنظيف ورفع النفايات بمقدار 10 آلاف دينار شهرياً، وأي نشاط تقوم به أي شقة يتم أخذ الموافقة من الجمعية مقابل 25 ألف دينار، وتشمل الأنشطة على سبيل المثال بناء حديقة أو إضافة كرفان أو غير ذلك.

من جانبه، يقول المهندس المتخصص في مجال العمارة عبد الحسين الراضي، لوكالة شفق نيوز، إن الصيانة في عدد من العمارات السكنية القديمة باتت محدودة، ما انعكس على مستوى الخدمات وعلى الإقبال على بعض الوحدات السكنية.

ويؤكد أن "مرور 20 عاماً أو أكثر على إنشاء العمارة لا يعني أنها أصبحت غير صالحة للسكن، لأن العمر الإنشائي للبناية قد يمتد لعقود طويلة إذا استمرت أعمال الصيانة والفحص الدوري بصورة صحيحة".

ويّبين أن "المشكلة تبدأ عندما تترك الأجزاء المشتركة في البناية من دون صيانة، مثل شبكات المياه والصرف الصحي والواجهات والأسطح والمصاعد والمنظومات الكهربائية، إذ يؤدي إهمالها إلى تراكم الأعطال وارتفاع كلفة معالجتها".

ويلفت الراضي إلى أن بعض المشكلات لا ترتبط بسلامة الهيكل الإنشائي نفسه، موضحاً أن تسربات المياه، على سبيل المثال، إذا استمرت لفترات طويلة من دون معالجة، قد تؤدي إلى أضرار في بعض العناصر الإنشائية.

ويشدد على أهمية إخضاع العمارات والمجمعات القديمة إلى فحوص وصيانة دورية منها الكشف البصري الشامل وفحص الجدران والسقف وفحص مقاومة الخرسانة وفق برامج محددة، بدلاً من الاقتصار على معالجة الأعطال بعد وقوعها.

إلى ذلك، يرى النائب السابق حسين عرب، أنه "في سبيل خدمة ساكني المجمعات وتقديم الخدمات بطريقة سلسة وصحيحة، تتم إدارة مجمعاتهم من خلال انتخابات أمناء السكان، على شكل هيئة انتخابية أو مجموعة، حسب النظام الداخلي وحسب القانون، وتقوم هذه المجموعة بإدارة شؤون المجمعات السكنية".

ويضيف عرب، لوكالة شفق نيوز، أنه بعد عام 2003، تحولت الإدارة من إدارة فاعلة إلى إدارة سيئة، باستثناء بعض أعضاء الإدارات الذين يعملون في هذه الجمعيات، والذين قدموا خدمات جيدة، إلا أن غالبية الخدمات المقدمة لا ترتقي إلى أن تكون بمستوى خدمة حقيقية.

ويشير إلى أن الدوائر البلدية لا يمكنها أن تتدخل وتقدم خدمات، باعتبار أن هذه الجمعيات تقوم بجني أموال من السكان على شكل خدمات، ومن خلال استئجار المحلات وساحات الوقوف (الباركات) والفضاءات الفارغة.

ويبين أن بعض رؤساء الجمعيات السابقين، استولوا على الوحدات السكنية التابعة للدولة، وقاموا بتزوير بعض مستمسكات الجمعيات والشقق السكنية والاستيلاء عليها وتأجيرها ووضعها تحت عنوان الإيجار بالباطن، وثمة الكثير من التفاصيل الخطيرة التي حدثت بعد عام 2003، باعتبار أن الوضع الأمني كان غير مستقر، والإدارة القانونية غير موجودة، وإدارة الجمعيات لم تكن صحيحة.

وينوه إلى أنه "كنا في لجنة العمل النيابي حاولنا إجراء انتخابات للجمعيات، لكن جائحة كورونا منعت إجراءها، وبعدها باشرنا بأن تكون هناك انتخابات، لكن الوضع السياسي لم يسمح بذلك".

ويؤكد، هناك تداخل بين عمل البلدية، إذ لا يستطيعون تقديم الخدمات داخل هذه المجمعات السكنية، باعتبار أنها ليست ضمن قاطع مسؤوليتهم، وإنما ضمن قاطع مسؤولية الجمعية التي تقدم خدمات ضعيفة، وبعض الأماكن والتفاصيل التي تتبع للجمعية تم تأجيرها أو الاستيلاء عليها من خلال الأقارب والأصدقاء والمعارف لرئيس الجمعية، أو معارف مجلس الإدارة.

ويوضح أن مجمعات حيفا تعرضت إلى عمليات إرهابية، خصوصاً المجمع الهولندي والمجمع الألماني، وتعرضت الجمعيات إلى جملة من الاعتداءات الإرهابية، وقد تم إعمار شوارع حيفا، بينما لم تُعمر البنايات السكنية التي تعرضت إلى هجمات إرهابية، مما أدى إلى تشويه منظر الشارع.

وفي الجانب العقاري، يقول مختصون إن تراجع مستوى الخدمات في بعض المجمعات القديمة انعكس على جاذبيتها في سوق البيع والإيجار، خصوصاً مع انتقال جانب من الطلب إلى مجمعات أحدث توفر خدمات أكثر انتظاماً.

ويسجل بعض أصحاب مكاتب العقار تراجعاً واضحاً في أسعار بيع وإيجار الوحدات السكنية لبعض المجمعات قياساً لما كانت عليه الأسعار قبل سنوات.

ويقول أحمد حيدر نجم، صاحب عقار في منطقة العلاوي، إن تراجع مستوى الخدمات في بعض المجمعات السكنية القديمة انعكس على أسعار البيع والإيجار معاً.

ويوضح نجم لوكالة شفق نيوز، أن الشقق التي كانت قبل نحو خمس سنوات تحقق عوائد إيجارية أعلى أصبحت اليوم تواجه منافسة من المجمعات الأحدث التي توفر خدمات أفضل.

ويؤكد، أن إيجار الشقق في بعض المجمعات، مثل الصالحية، كان قبل نحو خمس سنوات يتراوح بين 800 ألف إلى مليون دينار شهرياً، فيما تتراوح الإيجارات حالياً في بعض الوحدات بين 600 ألف و750 ألف دينار، وقد تصل إلى نحو مليون دينار أو أكثر للشقق الأكبر أو المفروشة.

ويشير إلى أن هناك نوع من الشقق في مجمع الصالحية تسمى شقق العزاب، هذا المجمع مرغوب من قبل البائع والمشتري لأن الايجار هناك يتم بصورة سريعة لمجموعة من الطلبة بأي سعر كان.

ويضيف أن التراجع في الإيجار لا يشمل جميع الوحدات، وإنما يرتبط بحالة كل بناية ومستوى الخدمات فيها، لافتاً إلى أن غياب الكهرباء الوطنية أو ضعف الصيانة وارتفاع أجور الخدمات يجعل المستأجر أكثر تردداً في اختيار الشقة، حتى لو كان بدل الإيجار أقل.

وينوه إلى أن بيع الشقق في الصالحية يختلف عن الإيجار، إذ أن كلف البيع ماتزال مرتفعة ولم تهبط إطلاقاً، مؤكداً أن بعض الشقق تصل إلى نحو 400 مليون دينار بحسب البناية التي تقع بها الشقة، فالمجمع يحتوي على بنايات بألوان مختلفة، مثل البنيات الحمراء والصفراء والزرقاء وكل منها لها سعرها وموقعها.

من جانبه، يؤكد محسن سلمان، وهو صاحب مكتب عقارات في منطقة حي الجهاد، أن بيع أو إيجار أي وحدة سكنية بأحد المجمعات يخضع لعدة أمور، منها موقع المجمع ومستوى الخدمات العامة فيه وحالة الشقة.

ويضيف لوكالة شفق نيوز، أن الأسعار تختلف عما كانت عليه قبل خمسة أعوام، وهذا ينسحب على الشقق المفروشة والمؤثثة وغيرها.

ويتابع إذا كانت مساحة الشقة بحي السلام تبلغ 113م² يبلغ إيجارها الشهري حالياً بين 500-600 ألف دينار، بينما كان إيجارها يصل إلى 900 ألف دينار عام 2020، أما الشقق التي تصل مساحتها إلى 132م²، فيبلغ إيجارها الشهري حالياً 750 ألف دينار، بينما كانت قبل خمسة أعوام تتجاوز عتبة المليون دينار.

وينوه إلى أن الشقة المفروشة تصل إلى نحو 1.250 مليون، بينما تعرض حالياً بعض هذه الشقق بمليون دينار شهرياً.

ويضيف: نعاني من تأخر في عمليات بيع وتأجير هذه الشقق، لأن الشخص الذي يبحث عن سكن لا ينظر إلى مساحة الشقة أو موقعها فقط، وإنما يبحث عن مقومات السكن الأساسية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء والخدمات البلدية والصيانة والأمن وغيرها، وعندما تتراجع هذه الخدمات، فإن الشقة تصبح عملياً بمستوى البيت السكني العادي في المنطقة، وبالتالي يقارن المشتري أو المستأجر بينها وبين البدائل المتاحة، وهو ما يؤثر في حجم الطلب عليها وقيمتها السوقية.

ويلفت إلى أن "شقق حي السلام (حي صدام سابقاً)، فإن أسعار البيع لا تختلف عن أي عقار آخر، حيث يصل سعر الشقة بهذا الحي الى 200 مليون دينار إن كانت محدثة، أما إن لم تكن محدثة فيكون سعرها أقل بمقدار 30 مليون دينار.

ويشير إلى أن عمليات البيع بطيئة إذ يمكن أن تتأخر الشقة المعروضة للبيع عدة سنوات بسبب عدم وجود طلب عليها، لسوء الخدمات بهذا الحي.  

وفي مجمعات شارع حيفا الذي بني خلال الفترة من عام 1981 الى عام 1985، تحدث بعض السكان سابقاً عن شح مياه الشرب، ولا سيما خلال فصل الصيف وخاصة في الطوابق العليا، إلى جانب مشكلات في الكهرباء وبعض الخدمات الأخرى، وهي عوامل يقول سكان إنها أثرت في ظروف السكن داخل المجمعات.

من جهتها، تنفي أمانة بغداد مسؤوليتها القانونية عن صيانة الأبنية داخل المجمعات السكنية.

ويقول المتحدث باسم الأمانة عدي الجنديل، لوكالة شفق نيوز، إن "مجمعات حي السلام وزيونة والصالحية وشارع حيفا وغيرها تعد من المجمعات العريقة التي كانت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي رموزاً معمارية وحضارية وعلامات فارقة في العاصمة".

ويضيف أن "ترك أعمال الترميم والصيانة في هذه المجمعات أدى إلى تراجع أوضاعها بمرور السنوات".

ويؤكد أن صيانة الأبنية لا تقع وفق الأطر القانونية المعمول بها، ضمن مسؤولية أمانة بغداد، مشيراً إلى أن المجمعات كانت تضم مجالس خدمية ينتخبها السكان وتتولى أعمال الصيانة والترميم وتنظيم بعض الخدمات المشتركة.