شفق نيوز- واشنطن/ مصطفى هاشم

حذر باحثون في واشنطن، يوم الخميس، من تداعيات المرحلة المقبلة مع انتهاء مهمة القوات الأميركية في العراق، مشيرين إلى تحديات تتعلق بمصير الفصائل المسلحة، ومستقبل التعاون الأمني بين بغداد وواشنطن، والمخاوف الأمنية في إقليم كوردستان، إلى جانب الانقسامات السياسية الداخلية التي قد تؤثر في قدرة بغداد وأربيل على إدارة المرحلة المقبلة.

وجاء حديث الباحثين خلال مشاركتهم في جلسة نقاشية نظمها المجلس الأطلسي في العاصمة الاميركية، وحضرها مراسل وكالة شفق نيوز.

نزع سلاح الفصائل.. مهمة مؤجلة

واستبعد الباحث العراقي والزميل غير المقيم في مركز السياسة الدولية سجاد جياد، حدوث أي نزع طوعي لسلاح الفصائل المسلحة في العراق بحلول الموعد المحدد في 30 سبتمبر/ أيلول الجاري أو حتى بعده، مشيراً إلى وجود رفض قاطع من جانب هذه الجماعات لمبدأ التخلي عن سلاحها.

وأوضح جياد، خلال الجلسة، أن الجدول الزمني المرتقب بات يبدو وكأنه يخص فقط إنهاء مهمة التحالف والقوات الأميركية، وليس إنهاء تسليح الفصائل، مبيناً أن الحكومة تحاول دمج هذه التشكيلات داخل مؤسسة الحشد الشعبي، بينما ترفض الفصائل التخلي عن قدراتها العسكرية، وترى أن التسليم غير مجدٍ في ظل استمرار العقوبات الأميركية على قادتها وعدم تقديم أي حوافز سياسية أو ضمانات بالمقابل.

وأضاف أن رئيس الوزراء العراقي يقع تحت ضغوط مزدوجة، داخلية من الفصائل والقوى السياسية، وخارجية من الجانب الأميركي، لافتاً إلى أن مسار المواجهة العسكرية بين الحكومة وتلك الجماعات مستبعد تماماً بقرار رسمي، نظراً لدورها السابق في قتال داعش واعتبارها جزءاً من النسيج الوطني، مما يجعل خيار التفاوض والتسوية السياسية هو الوحيد المتاح، حتى وإن كان احتمال تعثر الملف قد يدفع رئيس الوزراء للتفكير في الاستقالة لتفادي فرض عقوبات أميركية أوسع على الدولة العراقية.

وفي السياق ذاته، أكد جياد أن العلاقات بين بغداد وواشنطن تشهد حالياً أفضل فتراتها منذ سنوات، مدفوعة بتفاهم شخصي جيد بين رئيس الوزراء العراقي والرئيس الأميركي دونالد ترمب، فضلاً عن الجهود الدبلوماسية النشطة في الكواليس.

وأوضح أن واشنطن تبدي استعداداً لفتح آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري، وهو ما يتوافق مع خلفية رئيس الوزراء القادمة من قطاع الأعمال، إلا أن العائق الأساسي يكمن في الداخل العراقي، حيث يفتقر رئيس الوزراء إلى غطاء برلماني أو حزب سياسي يدعمه في مواجهة زعماء الكتل التقليدية المتحكمين في المشهد منذ عقدين.

وأشار جياد إلى أن الحكومة العراقية تستند إلى سياسة "الترغيب والترهيب" للضغط على الفصائل المسلحة، مبيناً أن الترهيب يأتي عبر التحذير من مغبة العقوبات الأميركية والردود العسكرية، بينما يتمثل الترغيب في فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في قطاع الطاقة، لإنعاش الاقتصاد العراقي الذي تكبد خسائر تتجاوز 80 مليار دولار نتيجة تعطل صادرات النفط، ما جعل الدولة تواجه صعوبات في تمويل الرواتب والمعاشات.

واستبعد الباحث، استجابة الفصائل لمطالب نزع السلاح طواعية في المدى القريب، لافتاً إلى ارتباطها الاستراتيجي بطهران وقناعتها بأن الوجود الأميركي في المنطقة يحمل أهدافاً استراتيجية داعمة لإسرائيل، ورجح أن يقود حراك رئيس الوزراء إلى خفض التصعيد الميداني ووقف الهجمات التي تنطلق نحو دول الجوار، دون التوصل إلى تفكيك فعلي أو نزع كامل لسلاح تلك الفصائل.

واشنطن تبحث عن استراتيجية "بلا فراغ"

من جانبه، أكد الباحث في معهد واشنطن والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي أندرو تابلر، أن رغبة واشنطن في تقليص وجودها العسكري وإنهاء العمليات الممتدة في العراق وسوريا مدفوعة بإنهاك مجتمعي وضغوط اقتصادية داخلية عميقة لدى الناخب الأميركي، إلى جانب تعقيدات إقليمية متزايدة تجعل الصراع أوسع بكثير من مجرد مواجهة مع داعش.

وأوضح تابلر أن المزاج العام في الولايات المتحدة بات يرفض استمرار ما يُعرف بـ"الحروب اللانهائية" واستنزاف الموارد في سياسات خارجية غير مجدية، وهو ما يفسر توجه الإدارات المتعاقبة نحو تسريع إنهاء المهام العسكرية المباشرة.

ولفت إلى أن التحدي الفعلي يكمن في كيفية صياغة استراتيجية أمنية بديلة تخدم المصالح الأميركية دون ترك فراغ يستفيد منه الخصوم، خصوصاً في ظل تصاعد الصراع الإقليمي مع إيران ووجود تباين داخل واشنطن بشأن تصنيف الأولويات والتهديدات، فضلاً عن تأثير هذه السياسات على خيارات الناخبين في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وأضاف تابلر أن الملفين العراقي والسوري مرتبطان عضوياً في مسار مكافحة الإرهاب، مشيراً إلى أن نشوء سلطات مركزية جديدة يفتح باباً للتفاوض، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حاسمة حول قدرة الحكومات في بغداد ودمشق على احتواء التهديدات المتجددة لتنظيم داعش وتجاوز التعقيدات السياسية والعشائرية، في حال غياب الدعم والغطاء العسكري الميداني للتحالف الدولي.

كوردستان أمام مخاوف أمنية متصاعدة

وفي جانب آخر من النقاش، حذر الباحث غير المقيم في برنامج الأمن القومي بمعهد بحوث السياسة الخارجية محمد أ. صالح، من أن تداعيات انسحاب القوات الأميركية ستكون وطأتها أشد وأكثر حساسية على إقليم كوردستان، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف الأمنية المتراكمة.

وأوضح صالح أن أوساط الرأي العام والدوائر الحكومية في الإقليم تنظر بقلق بالغ إلى ما بعد خطوة الانسحاب، لا سيما وأن كوردستان كانت ساحة استهداف متكررة بأكثر من ألف هجوم عبر الصواريخ والطائرات المسيرة شنتها إيران وفصائل شيعية مسلحة، معتبراً أن التساؤل الملح اليوم يتعلق بمصير المظلة الدفاعية الجوية الأميركية، خاصة مع تواتر الأنباء بشأن نقل منظومات صواريخ باتريوت إلى الأردن، ما قد يترك أربيل ومحيطها مكشوفين أمام الضربات الباليستية.

كما تطرق صالح إلى المخاوف التاريخية من تكرار سيناريو انسحاب 2011 الذي أتاح لتنظيم داعش إعادة تنظيم صفوفه واجتياح مناطق واسعة، إلى جانب هشاشة الوضع على الحدود الشمالية وارتباطه بمسار المفاوضات المعقدة بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني.

ودعا إلى عدم خلط الانسحاب العسكري بإنهاء الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، مشدداً على ضرورة استمرار الانخراط الدبلوماسي والاقتصادي والأمني مع واشنطن بالتنسيق بين بغداد وأربيل.

وفي الجولة الثانية من الجلسة، أكد صالح أن الانقسامات السياسية الداخلية في إقليم كوردستان العراق تُعد نقطة الضعف الأبرز التي تعيق قدرته على الضغط بفعالية في واشنطن، خاصة في ظل ميل الإدارة الأميركية الحالية للتعامل مع الحكومات المركزية وتفضيل قنوات الاتصال المباشرة مع العواصم كبغداد.

وأوضح أن التأخير المستمر في تشكيل كابينة حكومة إقليم كوردستان الجديدة، والذي قارب العامين، يعود إلى خلافات عميقة بين الحزبين الرئيسيين، مشيراً إلى أن أطرافاً خارجية وداخلية في بغداد تستغل هذه الفجوة وتقدم حوافز سياسية لتعميق حالة الشلل المؤسسي وإبطاء مسار التوافق الكوردي.

وأضاف صالح أن معالجة هذا الانقسام باتت ضرورة ملحة لاستعادة الزخم والشرعية المؤسسية للإقليم، وتعزيز قدرته التفاوضية مع كل من الحكومة الاتحادية والولايات المتحدة، لافتاً إلى أن ما يمنح العلاقة الأميركية الكوردية عمقها الاستراتيجي في الوقت الراهن هو استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، ووجود النفوذ الإيراني المؤثر في العراق، وهو ما يجعل بقاء كوردستان شريكاً مستقراً أمراً حيوياً لا يتعارض مع تنامي العلاقات الأميركية مع بغداد بل يتكامل معها.

ويعد ملف الفصائل المسلحة من أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة العراقية، مع اقتراب موعد 30 أيلول/ سبتمبر الذي حددته القوى السياسية الرئيسية سقفاً لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

ولا تحظى خطة حصر السلاح بموقف موحد من الفصائل المسلحة، ففي حين أبدت بعض القوى استعداداً لإعادة تنظيم علاقتها العسكرية والأمنية مع الدولة، أعلنت فصائل أخرى، من بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، رفض التخلي عن قدراتها العسكرية، وربطت أي نقاش بشأن سلاحها بانتهاء وجود القوات الأجنبية وضمان حماية العراق من الهجمات الخارجية.

ويتزامن موعد 30 أيلول كذلك مع الاستحقاقات المتعلقة بإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي في العراق، وهو ما تستخدمه بعض الفصائل أساساً لربط مستقبل سلاحها بانسحاب القوات الأجنبية.