شفق نيوز- بغداد

يستبعد باحثون وسياسيون من داخل الإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق) إمكانية تحوله، في المرحلة الراهنة، إلى كيان سياسي مؤسسي بقيادة موحدة ونظام داخلي ثابت، في ظل تباين رؤى مكوناته وتعارض مصالحها، فضلاً عن مخاوف من أن يؤدي التخلي عن صيغة التنسيق الحالية إلى تعقيد آليات اتخاذ القرار وتقليص هامش المناورة السياسية للأحزاب المنضوية فيه.

ويأتي ذلك وسط تجدد النقاش بشأن مأسسة الإطار، بعد تعذر عقد اجتماعه الدوري، الاثنين الماضي، بسبب غياب عدد من قادته، وتحوله إلى لقاء تشاوري، بالتزامن مع تباين المواقف بشأن مقترح الانتقال من صيغة الاجتماعات والتفاهمات إلى كيان يمتلك هيكلية تنظيمية وقيادة وآليات قرار واضحة، وفق مصدر مطلع تحدث لوكالة شفق نيوز في حينها.

وكان رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي همام حمودي قد طرح في وقت سابق مقترح مأسسة الإطار، عبر تشكيل ما يشبه "مجلس قيادة" يضم زعامات القوى المنضوية فيه، بهدف تنظيم آليات اتخاذ القرار وتنسيق المواقف، والانتقال من الاجتماعات الدورية إلى صيغة مؤسسية أكثر استقراراً.

لكن المقترح، بحسب المصدر، واجه تحفظات من زعيم ائتلاف دولة القانون ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي رأى أن بناء هيكلية ثابتة قد يفتح الباب أمام خلافات بشأن القيادة وصلاحياتها وآليات التصويت، ويقيد مرونة الإطار في التعامل مع الأزمات، مشيراً إلى أن غالبية القوى باتت تميل إلى الإبقاء على الصيغة الحالية.

إطار تنسيقي لا حزب سياسي

وفي هذا السياق، يرى حسن فدعم، القيادي في تيار "الحكمة" بزعامة عمار الحكيم، المنضوي ضمن الإطار التنسيقي، أن النقاش بشأن مأسسة الإطار ينطلق، في جانب منه، من فهم غير دقيق لطبيعته، مؤكداً أنه ليس حزباً أو تحالفاً سياسياً بالمعنى التنظيمي، وإنما اجتماع يضم أحزاباً شيعية، يحتفظ كل منها بأيديولوجيته ومشروعه واستقلالية قراره.

ويقول فدعم لوكالة شفق نيوز، إن الإطار يمثل مساحة لتنسيق المواقف والاتفاق على القضايا المشتركة، على غرار اجتماعات تحالف إدارة الدولة الذي يضم قوى سياسية من مكونات مختلفة، وتتداول فيه الملفات الوطنية ومشكلات البلاد والمنطقة، بهدف الوصول إلى تفاهمات مشتركة.

ويضيف أن الأحزاب المنضوية في الإطار تجتمع تحت هذه المظلة للتفاهم بشأن بعض القضايا وإدارة شؤون البلد، من دون أن يعني ذلك اندماجها في كيان سياسي واحد أو تخليها عن خصوصية كل منها.

خلاف على المأسسة

لكن هذه الصيغة التي يراها فدعم طبيعة عمل الإطار، تمثل في نظر أطراف أخرى موضع نقاش بشأن مدى قدرتها على الاستمرار، خصوصاً مع طرح مقترح تحويله إلى مؤسسة ذات هيكلية واضحة، وهو ما كشف عن تباين داخل مكوناته.

وفي هذا الجانب، يقول السياسي المستقل، أبو ميثاق المساري، إن مشروع مأسسة الإطار التنسيقي طموح، لكنه لم يحظَ بإجماع قواه، مشيراً إلى وجود اعتراض من أطراف أساسية، بينها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، الذي يرى أن الانتقال إلى صيغة مؤسسية قد يعقد آليات اتخاذ القرار ويبعد الإطار عن الغاية التي تأسس من أجلها.

ويضيف المساري لوكالة شفق نيوز، أن الإطار لا يتولى بالضرورة مناقشة جميع المسائل الخلافية بين مكوناته، بل يركز في جانب من عمله على تنسيق المواقف التي يجري التفاهم عليها مسبقاً، فيما تضم هيكلته القيادية 12 قيادياً، تُتخذ القرارات بينهم وفق آلية التصويت والأغلبية.

ويشير إلى أن الإطار شهد تجارب تصويت في ملفات مهمة، من بينها اختيار رئيس الوزراء، أسهمت في تجاوز بعض التعقيدات وتسريع التفاهمات، معتبراً أن هذه المرونة تمثل إحدى نقاط قوة الصيغة الحالية.

ويحذر المساري من أن المأسسة الكاملة قد تعيد البيروقراطية إلى عمل الإطار، عبر إجراءات ومخاطبات رسمية وروتين تنظيمي، بما يضيف تعقيدات جديدة إلى عملية اتخاذ القرار، بدلاً من تسهيلها، وهو ما يدفع بعض مكوناته إلى تفضيل استمرار الوضع القائم.

ولا تقتصر الإشكالية، وفق هذا الطرح، على الخلاف بشأن شكل الهيكل التنظيمي، بل تمتد إلى طبيعة الصلاحيات التي ستُمنح للقيادة الموحدة، ومدى التزام الأحزاب بقراراتها، في ظل احتفاظ كل طرف بوزنه السياسي وحساباته الخاصة.

مرونة الأحزاب

ومن زاوية أخرى، يستبعد عقيل الرديني، المتحدث باسم ائتلاف "النصر" الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، أحد المكونات والركائز الأساسية المشكّلة للإطار التنسيقي، تحول الأخير إلى كيان سياسي موحد في الوقت الراهن، عازياً ذلك إلى تعدد الأحزاب داخله واختلاف رؤاها السياسية، رغم نجاحها في إيجاد صيغة للتوافق والتواصل فيما بينها.

ويقول الرديني لوكالة شفق نيوز، إن الصيغة الحالية تمنح كل حزب حرية إبداء رأيه والتصويت أو الامتناع عنه، وحتى عدم حضور الاجتماعات أو الاعتراض على بعض المواقف، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار التفاهمات بين مكونات الإطار.

ويضيف أن وجود مظلة تضم أكثر من عشرة أحزاب تقريباً يسهل التواصل والتفاوض مع القوى السياسية الأخرى، ولا سيما القوى السنية، بدلاً من دخول كل حزب في مفاوضات منفصلة، لافتاً إلى أن هذا التنسيق يتيح الاتفاق على القضايا الكبرى ورسم السياسات العامة ودعم الحكومة ومؤسسات الدولة.

ورغم عدم وجود اندماج سياسي أو نظام داخلي موحد حتى الآن، يشير الرديني إلى تشكيل لجان متعددة لتطوير عمل الإطار وتعزيز دوره في دعم رئاسة الوزراء، باعتبار أن رئيس الحكومة يأتي من رحم القوى المنضوية فيه، وما يتطلبه ذلك من تنسيق وتوافق بينها.

تضارب المصالح

وفي قراءة أوسع للعقبات التي تواجه المشروع، يرى الباحث والأكاديمي، علاء نجاح، أن الإطار التنسيقي تحول إلى مظلة ائتلافية تضم أحزاباً وحركات وتيارات سياسية متعددة، الأمر الذي يجعل تشكيل كيان مستقل بقيادة موحدة مهمة صعبة، في ظل الخلافات الداخلية والتقاطعات مع بقية القوى السياسية العراقية.

ويقول نجاح لوكالة شفق نيوز، إن المشكلة لا تتعلق باختلاف الرؤى السياسية بين مكونات الإطار فقط، وإنما أيضاً بتباين مصالحها وارتباطات قياداتها بتحالفات وتفاهمات أخرى داخل المشهد السياسي، فضلاً عن الخلاف بشأن توزيع النفوذ والمناصب وشكل إدارة الدولة.

ويضيف أن كل حزب يمتلك حساباته وأولوياته الخاصة، ما يجعل التوصل إلى قيادة موحدة قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة للجميع أمراً معقداً، خصوصاً عندما تتعارض تلك القرارات مع مصالح بعض الأطراف أو تحالفاتها السياسية.

ويلفت نجاح إلى أن بعض القوى تتمسك بهامش واسع من المرونة في التعامل مع بقية الأطراف، وتتجنب اتخاذ مواقف قاطعة تقيّد خياراتها، خشية أن يؤدي الاندماج في كيان مؤسسي صارم إلى تقليص قدرتها على المناورة السياسية.

ويعتبر في الختام أن جوهر الخلاف بشأن المأسسة يكمن في حجم التنازلات التي ينبغي أن تقدمها الأحزاب لصالح كيان موحد، إذ إن التخلي عن جزء من استقلالية القرار والنفوذ والارتباطات السياسية يمثل تحدياً أمام أي مشروع لإعادة تنظيم الإطار.