شفق نيوز- تحليل خاص
يتجه العراق والمنطقة إلى ليلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، وتبدو فيها بغداد كأنها تقف عند نقطة انتظار ثقيلة لما ستسفر عنه اجتماعات يفترض أن يكون لها ما بعدها. ففي الداخل، يواصل الإطار التنسيقي محاولته المتعثرة لحسم مرشح رئاسة الحكومة المقبلة، فيما تتجه الأنظار خارجياً إلى جولة جديدة من المحادثات الأميركية الإيرانية في "إسلام آباد2"، وسط تصعيد لم يفقد زخمه بعد.
ومن الصعب النظر إلى هذين المسارين على أنهما منفصلان، فالعراق، بحكم موقعه وتشابك توازناته، لا يراقب فقط ما يجري في محيطه، بل يجد نفسه مرة أخرى تحت تأثيره المباشر. وكلما ارتفعت حدة التوتر بين واشنطن وطهران، ازدادت كلفة الانقسام داخل بغداد، وباتت مهمة إنتاج تسوية محلية أكثر تعقيداً.
على مدى الأسابيع الماضية، لم تعد الأزمة الإقليمية محصورة في حدود المواجهة السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بل تمددت إلى أسواق الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي. ومع تصاعد القلق بشأن تدفقات النفط في المنطقة، صار أي تطور في هذا الاشتباك المفتوح قابلاً لأن ينعكس سريعاً على المزاج السياسي داخل العراق، ولا سيما في لحظة شديدة الحساسية تتعلق بتشكيل السلطة المقبلة.
وفي قلب هذا المشهد المتوتر، وجدت وسائل الإعلام نفسها أمام مأزق قديم يتكرر في كل لحظة اشتعال كبيرة. فالسبق الصحفي يغري، والتسريبات تتكاثر، والفراغ السياسي يغذي التوقعات، لكن النتيجة كثيراً ما تكون اندفاعاً إلى استنتاجات تسبق الوقائع. وهذا ما بدا واضحاً في الساعات التي سبقت اجتماع الإطار، حين تصرفت بعض المنصات وكأن الحسم قد وقع فعلاً، وهو ما وقعت فيه مؤسسات لها ثقلها العالمي.
ليل الاثنين، امتلأت الساحة السياسية والإعلامية بتقديرات متضاربة بشأن ما إذا كان الإطار التنسيقي سيتوصل أخيراً إلى اتفاق ينهي الجدل حول اسم رئيس الحكومة المقبل، لكن الاجتماع انتهى من دون حسم، وتأجل القرار إلى الأربعاء، ليتحول التأجيل نفسه إلى إشارة سياسية بليغة. فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف على اسم، بل باتت تعبيراً عن انقسام أعمق يتعلق بموازين القوة داخل الإطار، وبالقدرة على إنتاج قرار موحد في لحظة تختلط فيها الحسابات المحلية بالمخاوف الإقليمية والضغوط الدولية.
أزمة الإطار التنسيقي
منذ تشكله في عام 2022، لم يواجه الإطار التنسيقي اختباراً داخلياً بهذا القدر من الحساسية. فالتنافس الذي مرّ بمراحل متعددة وتداول أسماء عدة، انحسر عملياً إلى مواجهة سياسية بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، قبل أن تدخل عناصر أكثر تعقيداً على خط الأزمة، من بينها التهديد الأميركي بفرض عقوبات في حال تولي المالكي رئاسة الحكومة. ذلك التهديد لم يبق في حدود الرسائل الخارجية، بل سرعان ما تحول إلى عامل ضغط داخل البيت الإطاري نفسه، ودفع بعض القوى إلى إعادة حساباتها.
في هذا السياق، قرأ كثيرون إعلان السوداني وقتها التنازل عن الترشح لصالح المالكي بوصفه خطوة لا تخلو من المناورة، لا لأنها أغلقت باب التنافس، بل لأنها نقلت العبء إلى خصمه ودفعت به إلى واجهة مواجهة سياسية أشد صعوبة، عنوانها ليس فقط القدرة على نيل التوافق الداخلي، بل أيضاً احتمال الاصطدام باعتراض أميركي له تبعات مباشرة على العراق. لكن هذه الخطوة، بدلاً من أن تفتح باباً للتسوية، زادت المشهد تعقيداً، بعدما أثارت مخاوف داخل الإطار من كلفة الذهاب إلى خيار قد يضع بغداد في قلب أزمة جديدة مع واشنطن.
وحين تعذر الحسم، بدأ البحث عن مخارج وسط. وبحسب ما أكدته مصادر عدة لوكالة شفق نيوز، طرح المالكي رئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري بديلاً عنه، فيما قدم السوداني المتحدث باسم حكومة تصريف الأعمال إحسان العوادي مرشحاً بديلاً من جهته. وهذه المحاولة لا تعكس فقط رغبة في تفادي الانفجار داخل الإطار، بل تكشف أيضاً أن الأزمة تجاوزت شخص المرشح إلى ما هو أوسع، أي سؤال الجهة القادرة على فرض الإيقاع داخل التحالف نفسه.
وفي موازاة ذلك، حمل الثلاثاء مؤشراً إضافياً على أن يوم الأربعاء لن يكون اجتماعاً عادياً. فقد كشفت مصادر مطلعة عن زيارة أجراها رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني إلى زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، جرى خلالها بحث عدد من المقترحات لكسر الانسداد السياسي. ومن بين تلك المقترحات، اعتماد أغلبية مطلقة داخل الإطار لحسم اسم المرشح، أو الاحتكام إلى الوزن النيابي للكتل الداعمة له. وبصرف النظر عن الصيغة التي قد يعتمدها المجتمعون، فإن مجرد طرح هذه الآليات يكشف أن التوافق لم يعد متاحاً بسهولة، وأن الإطار يقترب من لحظة اختبار حقيقية لقدرته على إدارة خلافاته من دون أن يتحول الانقسام إلى كسر سياسي دائم.
التصعيد الإيراني الأميركي
هذا التعقيد الداخلي لا ينفصل، في نظر كثير من السياسيين والمراقبين، عما يجري على المسار الأميركي الإيراني. فالعراق لا يختار رئيس حكومته المقبلة في فراغ. وأي تفاهم أو تصعيد بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة على شكل التوازنات المقبلة في بغداد، وعلى حدود الحركة المتاحة لرئيس الوزراء الذي سيخرج من هذه التسوية، إذا خرجت.
في المقابل، تبدو جولة إسلام آباد نفسها محاطة بمناخ لا يقل توتراً. فالمحادثات المنتظرة تأتي فيما لا تزال لغة التصعيد تتقدم على لغة التهدئة، وفيما تلقي التطورات الأخيرة بثقلها على المنطقة والعالم، خصوصاً بعد انتقال الأزمة إلى مستوى يهدد أمن الطاقة والممرات الحيوية. ومع قرار طهران إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت المخاوف من اتساع أثر المواجهة إلى ما هو أبعد من حدودها السياسية والعسكرية، وباتت الأسواق العالمية بدورها تراقب ما إذا كان باب التسوية ما يزال مفتوحاً، أم أن المنطقة تتجه إلى مرحلة أشد اضطراباً.
وكما هو الحال في بغداد، سبقت الحرب الإعلامية أيضاً جولة التفاوض في إسلام آباد. رفعت واشنطن من سقف رسائلها، وردت طهران بنبرة مماثلة، فتضاءلت المسافة بين التصريحات والضغوط الفعلية، وصار الخطاب السياسي جزءاً من المعركة بقدر ما هو انعكاس لها. وفي مثل هذا المناخ، لا تبدو المفاوضات مجرد لقاء دبلوماسي جديد، بل اختباراً لقدرة الطرفين على إبقاء الاشتباك تحت السيطرة، ومنع انزلاقه إلى ما هو أبعد.
بين بغداد وإسلام آباد، لا يقف العالم أمام اجتماعَين منفصلَين، بل أمام مشهد واحد متعدد الوجوه. في أحد طرفيه أزمة حكم عراقية تتعثر بين الأسماء والاعتراضات والتوازنات. وفي الطرف الآخر مواجهة إقليمية مفتوحة على احتمالات شتى. أما في الوسط، فيقف العراق مرة أخرى في منطقة تماس، يراقب، يتأثر، ويحاول أن يمنع نفسه من أن يكون أول الخاسرين.