شفق نيوز- بغداد
لم يعد الجدل بشأن حضانة الأطفال في العراق مقتصراً على الأروقة القضائية أو النقاشات القانونية، بل امتد إلى مكاتب المحامين، حيث يرفض عدد منهم تولي دعاوى إسقاط الحضانة عن الأمهات، انطلاقاً من قناعة بأن مصلحة الطفل النفسية والاجتماعية يجب أن تتقدم على أي خلافات بين الوالدين.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل الذي أثارته التعديلات الخاصة بالمدونة الجعفرية، وما رافقها من اعتراضات حقوقية وقانونية على أحكام الحضانة، وسط دعوات لإعادة النظر بالمواد المتعلقة بها بما يحقق مصلحة الطفل ويحافظ على استقرار الأسرة بعد الطلاق.
ويُعد قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 أحد أبرز القوانين المنظمة لشؤون الأسرة، وقد شُرّع في عهد رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم قاسم، واعتمد صيغة موحدة تنطبق على جميع العراقيين دون تمييز مذهبي، وينظم مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث عبر محاكم الأحوال الشخصية.
وخضع القانون خلال العقود الماضية لتعديلات متكررة، كان أبرزها ما يتعلق بالمادة 57 الخاصة بالحضانة، والتي ما تزال محل جدل قانوني واجتماعي بشأن توازنها بين حقوق الأبوين ومصلحة الطفل.
وفي 21 كانون الثاني/ يناير 2025، صوّت مجلس النواب العراقي ضمن "سلة تشريعية واحدة" على تعديلات مثيرة للجدل شملت قانون الأحوال الشخصية، ما أثار اعتراضات سياسية وحقوقية بسبب مخاوف من تعدد الأطر القانونية داخل الأسرة الواحدة.
وبحسب التعديلات، فقد فُتح الباب أمام المواطنين لاختيار تطبيق أحكام المذاهب الإسلامية في قضايا الأحوال الشخصية، بما في ذلك اعتماد ما يعرف بالمدونة الجعفرية في مسائل الزواج والطلاق والحضانة، على أن يتم تحديد المذهب عند إبرام عقد الزواج أو عبر طلب لاحق أمام المحكمة المختصة.
"المحضون أولا"
في هذا الصدد، يقول المحامي حسين عادل الشمري، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "الطفل في سنواته الأولى يكون بأمسّ الحاجة إلى والدته ورعايتها، في حين يبقى الأب شريكاً أساسياً في التربية والإنفاق والدعم المعنوي".
ويضيف الشمري، أن "القانون وفر وسائل تكفل حقوق الأب، مثل المشاهدة والاصطحاب وضمان النفقة، لذلك فإن إسقاط الحضانة عن الأم لا ينبغي أن يكون إجراءً اعتيادياً”، مبيناً أنه يرفض شخصياً التوكل في هذا النوع من الدعاوى “مراعاةً لمصلحة المحضون قبل أي اعتبار آخر".
ويشير إلى أن القضاء يمتلك أدوات كافية لتقييم أهلية الحاضن، عبر دراسة الظروف المعيشية والصحية والسكنية، والاستماع إلى الطفل وإخضاعه للبحث الاجتماعي عند الحاجة، فضلاً عن نقل الحضانة إلى الأب أو إلى أحد الأقارب إذا ثبت عدم صلاحية أحد الوالدين.
بدورها، تصف المحامية إسراء الخفاجي، سلب الحضانة من الأم بأنه "قرار مجحف"، مؤكدة أن حرمان الأم من أطفالها ينعكس سلباً على استقرار الأسرة والطفل معاً.
في حين، ترى المحامية طيبة علي أن عدداً من دعاوى إسقاط الحضانة "لا تنطلق من مصلحة الطفل بقدر ما ترتبط بتصفية الخلافات بين الزوجين بعد الطلاق".
وتوضح علي، خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، أن بعض الآباء يستخدمون دعاوى الحضانة وسيلة للضغط على الأم أو لإبعاد الأطفال عنها، فيما يلجأ آخرون للمطالبة بالحضانة بهدف التخلص من الالتزامات المالية المترتبة على نفقة الأطفال.
اعتراضات حقوقية
وأثار القرار (93) المتعلق بأحكام الحضانة في المدونة الجعفرية اعتراضات واسعة من منظمات المجتمع المدني والجهات المعنية بحقوق المرأة والطفل.
وتذكر الناشطة لينا علي، من مرصد الدفاع عن حقوق المرأة والطفل، أن "التعديلات الأخيرة لم تعالج الإشكاليات السابقة، بل أوجدت أزمات جديدة تمس المرأة والطفل معاً".
وتبين أن "المدونة لم تمنح مصلحة الطفل الاهتمام الكافي، وبدأت آثارها تظهر من خلال تصاعد المشكلات الأسرية والضغوط النفسية التي يتعرض لها الأطفال بعد حرمانهم من العيش مع أمهاتهم".
وتؤكد أن كثيراً من الأمهات أصبحن يلجأن إلى المحاكم للمطالبة بحق مشاهدة أطفالهن فقط، بعد فقدان حق الحضانة، محذرة من تداعيات نفسية واجتماعية قد تستمر لسنوات.
احتجاجات الأمهات
وتزامناً مع هذا الجدل، نظمت مجموعة من الأمهات وقفة احتجاجية أمام مبنى مجلس القضاء الأعلى، للمطالبة بإعادة النظر في أحكام الحضانة.
وأكدت المشاركات أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأول في جميع القضايا المتعلقة بالحضانة، معربات عن رفضهن إنهاء حضانة الأم بعد بلوغ الطفل السابعة من العمر.
وتروي إحدى الأمهات، لوكالة شفق نيوز، أن زوجها السابق "لم يكن محباً للأطفال"، مؤكدة أنه طالب بحضانتهم "للتخلص من دفع النفقة وتشغيلهم في أعمال لا تناسب أعمارهم".
وأضافت أنها قدمت للمحكمة ما يثبت سوء أوضاع أطفالها، لكنها لم تتمكن من استعادة حضانتهم.
مشكلة في التطبيق
في المقابل، يرى رجال دين مؤيدون للقانون أن الإشكالية تكمن في سوء التطبيق وليس في النصوص القانونية.
ويقول الشيخ عبد الوهاب الشمري، إمام وخطيب جامع في بغداد، إن "الشريعة الإسلامية راعت مصلحة الإنسان في جميع مراحل حياته، وإن أحكام الحضانة لم توضع بصورة عشوائية، بل وفق ضوابط وشروط فقهية واضحة".
ويلفت الشمري، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن قاضي الأحوال الشخصية لا يمنح الحضانة للأب إلا بعد التحقق من توافر الشروط الصحية والتربوية والمادية اللازمة لرعاية الطفل، وإذا ثبت إخلال الأب بهذه الشروط، فإن القضاء يسقط عنه الحضانة ويعيدها إلى الأم.
وينبه إلى أن بعض حالات العنف أو تشغيل الأطفال وحرمانهم من الدراسة تعكس خللاً في سلوك بعض الآباء، لا في القانون نفسه، لافتاً إلى أن بإمكان الأم اللجوء إلى القضاء وتقديم الأدلة لإثبات عدم أهلية الأب واستعادة حضانة أطفالها.
ويستمر الجدل المجتمعي والقانوني بشأن أحكام الحضانة، وسط مطالبات من مختصين ومنظمات حقوقية بإعادة النظر في المواد المتعلقة بها، بما يحقق التوازن بين حقوق الوالدين، ويجعل مصلحة الطفل المعيار الحاكم في جميع القرارات القضائية.