شفق نيوز- بغداد
يواصل العراق الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته من السلع الأساسية والاستهلاكية، في وقت يواجه فيه الإنتاج المحلي تحديات متراكمة تحدّ من قدرته على المنافسة، رغم توفر الموارد الطبيعية والبشرية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع ما كشفته دراسة حديثة نشرتها مجلس Nature Food، والتي أظهرت أن العراق ضمن الدول غير القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، ما يعكس عمق الفجوة بين الإمكانات المتاحة والواقع الإنتاجي.
ويعتمد السوق العراقي على استيراد طيف واسع من السلع، تتصدرها المواد الغذائية والمنتجات الزراعية، إلى جانب الأجهزة الكهربائية والمواد الإنشائية، الأمر الذي يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات الخارجية، سواء في أسعار السلع أو سلاسل التوريد العالمية.
كما تواجه المنتجات المحلية تحديات إضافية تتعلق بضعف الحماية الجمركية، ووجود منافذ غير رسمية تدخل من خلالها البضائع دون رقابة كافية، ما يزيد من الضغط على المنتج المحلي ويقلل من فرص نموه داخل السوق.
الاعتماد المفرط يهدد الاقتصاد
وقال الخبير الاقتصادي محمد الحسني، في حديث لوكالة شفق نيوز إن "حجم اعتماد العراق على الاستيراد ما يزال مرتفعاً بشكل كبير، إذ تشير التقديرات إلى أن إجمالي الاستيرادات من السلع والخدمات يتجاوز 100 مليار دولار سنوياً، منها نحو 80 إلى 90 مليار دولار للسلع فقط".
وأضاف أن "هذا الاعتماد الكبير على الخارج جعل الاقتصاد العراقي من أكثر الاقتصادات تأثراً بالأزمات الجيوسياسية، لا سيما في ظل إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد ممراً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة".
وأوضح الحسني، أن "العراق بدأ يواجه تداعيات مباشرة نتيجة هذا الإغلاق، تمثلت بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتأخر وصول بعض البضائع، فضلاً عن زيادة أسعار عدد من السلع في السوق المحلية".
وأشار إلى أن "الاعتماد المفرط على الاستيراد يضع البلاد في موقف هش أمام أي صدمة خارجية، حيث تنعكس الأزمات العالمية بسرعة على الداخل، سواء من خلال ارتفاع الأسعار أو نقص بعض المواد"، مضيفاً أن "ما يجري حالياً يبرز الحاجة الملحة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، عبر دعم الإنتاج المحلي، خصوصاً أن الأزمات كشفت محدودية قدرة السوق على الصمود دون الاستيراد".
وتشير التقارير إلى أن حجم الاستيرادات للعراق مرتفع بشكل كبير، حيث تُقدّر بأكثر من 100 مليار دولار سنوياً، منها 80–90 مليار دولار للسلع.
ويغطي الاستيراد أكثر من 50% من احتياجات العراق الغذائية، مع اعتماد شبه كامل (70–100%) على الخارج في سلع أساسية مثل الزيوت النباتية والسكر والرز، ما يجعل السوق المحلية مرتبطة بشكل مباشر بالأسواق العالمية وتقلباتها.
القوانين غير فعالة
في حين، رأى الخبير الاقتصادي هلال الطعان، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن العراق يمتلك بالفعل منظومة تشريعية تهدف إلى حماية المنتج المحلي، إلا أن تطبيقها ما يزال ضعيفاً وغير كافٍ، ما يحدّ من قدرتها على إحداث تأثير فعلي في السوق.
وتابع الخبير قائلاً إن "قوانين حماية المنتج، وحماية المستهلك، والمنافسة ومنع الاحتكار، تمنح الجهات المعنية صلاحيات فرض الرسوم على السلع المستوردة، ومنع الإغراق، وتقديم الدعم للقطاعين الصناعي والزراعي”، مبيناً أن “هذه القوانين، رغم أهميتها، لم تُفعّل بالشكل المطلوب، الأمر الذي أبقى السوق العراقية مفتوحة أمام الاستيراد بشكل كبير منذ عام 2003".
ووفقاً للطعان، فإن ضعف الرقابة الجمركية في بعض الأحيان، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، وقلة الدعم الحكومي للقطاعين الزراعي والصناعي، كلها عوامل ساهمت في إضعاف تنافسية المنتج الوطني”،، مبيناً أن دخول البضائع الرخيصة إلى العراق يعود إلى ضعف تطبيق التعرفة الجمركية، فضلاً عن وجود حالات تهرب عبر تقليل القيم الحقيقية للسلع المستوردة، ما يسمح بدخول منتجات منخفضة السعر من دول الجوار.
ولفت إلى أن ذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى إغراق السوق بشكل متعمد، بما يضر بالصناعة والزراعة المحلية ويدفع باتجاه زيادة الاعتماد على الاستيراد، مشيراً إلى أن ارتفاع كلف الإنتاج المحلي، نتيجة عدم استقرار التيار الكهربائي، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف البنى التحتية، فضلاً عن غياب الدعم الحكومي الكافي، يجعل المنتج المحلي أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالمنتجات الأجنبية.
وختم الطعان، حديثه بالقول إن "معالجة هذه التحديات تتطلب تفعيل القوانين بشكل فعلي، وتشديد الرقابة الجمركية، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية واضحة تدعم الإنتاج المحلي وتخفض كلفه، بما يعزز من قدرة الاقتصاد العراقي على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء وتقليل الاعتماد على الخارج".
ويستند حماية المنتج المحلي في العراق إلى قانون حماية المنتجات العراقية رقم 11 لسنة 2010 وقانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010، اللذين يتيحان فرض رسوم وإجراءات للحد من إغراق السوق بالسلع المستوردة، لكن التطبيق يواجه تحديات.
الصناعة بلا حماية
من جهته قال الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، لوكالة شفق نيوز، إن غياب تفعيل قوانين حماية المنتج المحلي وعدم تطبيق المواصفة العراقية بشكل صارم، إلى جانب ضعف الإقراض الصناعي، يمثل أحد أبرز العوائق أمام نمو الصناعة الوطنية، مضيفاً أن عدم وجود هيئة متخصصة لدعم المنتج المحلي يزيد من تعقيد المشهد الصناعي في البلاد.
وأوضح أن المنتجات المستوردة تحصل على مزايا كبيرة في بلدان المنشأ، مثل الدعم الحكومي وتوفير المواد الأولية بأسعار منخفضة، فضلاً عن التسهيلات التمويلية، وهي امتيازات لا تتوفر بنفس المستوى داخل العراق، ما يضع المنتج المحلي في موقف تنافسي ضعيف داخل السوق.
وبحسب علي، فإن تفعيل المواصفة العراقية بشكل فعلي، إلى جانب تقديم قروض ميسرة للقطاع الصناعي، وتوفير المواد الأولية بأسعار مدعومة، من شأنه أن يعزز القدرة التنافسية للمنتج الوطني ويرفع من حضوره في الأسواق المحلية، مؤكداً أن هذه الإجراءات تمثل خطوة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
مسارات الحكومة لدعم الاقتصاد
إلى ذلك، يعتقد مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية مظهر محمد صالح، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن دعم النشاط الاقتصادي في العراق يسير عبر مسارين رئيسيين، يتمثل الأول بالقطاع الزراعي من خلال دعم إنتاج الحبوب وشراء المحاصيل بأسعار مدعومة تفوق العالمية، إلى جانب توفير مستلزمات الإنتاج وتطبيق الرزنامة الزراعية لحماية المنتج المحلي وتقليل تأثير الاستيراد.
وأضاف أن المسار الثاني يتمثل بالقطاع الصناعي، حيث جرى دعم المشاريع عبر تخصيص الأراضي وتوفير الوقود وتسهيل استيراد التكنولوجيا، فضلاً عن مبادرات تمويلية من البنك المركزي لدعم أكثر من 1300 مشروع صناعي، مع تخصيص أكثر من تريليون دينار كضمانات سيادية للحصول على قروض خارجية.
وتحدث صالح، أيضاً أن هذه الإجراءات، إلى جانب إطلاق “بنك الريادة” لدعم المشاريع الصغيرة، تهدف إلى تنشيط القطاع الخاص وخفض البطالة من نحو 13%، عبر تعزيز الترابط بين القطاعات الإنتاجية ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني.
ويعاني العراق من النمو السكاني المتسارع ما يزيد الضغط على الطلب الغذائي، إذ ينمو عدد السكان بأكثر من 2.5% سنوياً، مع توقعات بتجاوز عدد السكان 50 مليون نسمة خلال السنوات المقبلة. هذا النمو يقابله بطء في تطوير الإنتاج المحلي، ما يوسع الفجوة الغذائية بمرور الوقت.