شفق نيوز- بغداد
يشهد أدب الرعب إقبالاً متزايداً بين الشباب في العراق، مدفوعاً بانتشار منصات التواصل الاجتماعي وسهولة الوصول إلى الروايات والمقاطع المرعبة، فيما يجد فيه بعض القراء وسيلة لكسر روتين الحياة والابتعاد عن ضغوط الواقع، وسط تحذيرات نفسية من الإفراط في تعريض الأطفال للمحتوى المرعب والعنيف.
وتقول ميس البغدادي، البالغة من العمر 22 عاماً، إن الرعب يمثل بالنسبة لها حالة إيجابية تنقل القارئ من أجواء الركود والصمت إلى عالم مليء بالإثارة والخوف.
وتضيف البغدادي، لوكالة شفق نيوز، إن "الرعب يخرجنا من عالمنا، خصوصاً مع ما نعيشه يومياً من مشكلات وحروب وعدم استقرار وسباق لكسب المال بطرق مختلفة، لذلك يجد البعض في الرعب عالماً آخر".
وتوضح أن انتشار المقاطع القصيرة والمشوقة على منصات التواصل أسهم في زيادة التعلق بمحتوى الرعب، مبينة أن الشخص قد يشاهد مقطعاً قصيراً وينتظر أياماً لمعرفة نهايته، وبعدها ينتقل إلى قصة أخرى، حتى يصبح هاتفه مليئاً بمحتوى الرعب.
وترى البغدادي، أن الروايات الخيالية تساعد القارئ على الخروج من أجواء الواقع وكسر روتين الحياة، لافتة إلى أن القراءة تمنح الإنسان تجارب ومشاعر قد لا يكون قد عاشها في حياته.
وتابعت حديثها بالقول إن "الرعب لا يخيف الجميع، فهناك أشخاص يجدون متعتهم فيه، وهناك من يفضل الرعب الرومانسي أو السياسي أو العلمي أو الأدبي"، مؤكدة أن "القارئ ينبغي أن يتخيل نفسه جزءاً من القصة، وأن يعيش المشهد، لا أن يقرأ مجرد كلمات، بل يتخيل الموقف وينظر إليه أحياناً من منظور شخص ثالث".
وتشير إلى أنها قرأت نحو 600 كتاب ورواية، بينها أعمال لم تستسغها بسبب اعتمادها على المشاهد المقززة، فيما وجدت متعة في عدد كبير من الروايات، خصوصاً الأعمال السياسية.
كما تؤكد أنها قرأت روايات بينها "الشيطان" و"المياه المرعبة"، كما تلجأ إلى الروايات البوليسية وكتب الرعب عندما تشعر بالانزعاج، مشيرة إلى سلسلة تحقيقات "نوح الألفي"، التي تضم خمسة كتب، وهي "ممتعة ومضحكة وبها حب".
وعن أسباب توجه الشباب نحو الرعب، تعزو البغدادي، ذلك إلى انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى رغبة البعض في خوض تجارب مختلفة والبحث عن الإثارة.
إقبال من الشباب والعائلات
وفي معرض بغداد الدولي للكتاب، تؤكد العاملون في بيع كتب وروايات الرعب وجود إقبال واضح على هذا النوع من الأدب.
وتقول سلمى محمد، البالغة من العمر 27 عاماً، وتعمل في أحد معارض بيع كتب وروايات الرعب، لوكالة شفق نيوز، إن "أكثر الزبائن تتراوح أعمارهم بين 25 و30 عاماً، وهم من الشباب الذين يحبون قراءة الرعب".
وبحسب محمد، فإن عائلات كاملة تأتي إلى المعرض، من الأب والأم والأطفال، ويشترون كتباً وروايات الرعب، مبينة أن المعرض يضم أنواعاً مختلفة من هذا الأدب.
وتوضح محمد، أن الإقبال على كتب الرعب مرتفع في الوقت الحالي، مرجعة ذلك، من وجهة نظرها، إلى اعتياد الجمهور على المحتوى السريع والمشوق، وما وصفته بـ"الدوبامين العالي".
وتبين أن "المشاهد المفاجئة والأحداث السريعة هي التي تجذب الناس حالياً، لأنهم اعتادوا على المقاطع القصيرة التي تمر بسرعة"، لافتة إلى أن كل كتاب رعب يمكن أن يخرج منه القارئ بأشياء إيجابية، وهناك كتب سلبية، ويبقى الخيار للقارئ".
وتلفت إلى أنها لم تكن تحب أدب الرعب في السابق، قبل أن تتغير نظرتها بعد قراءة سلسلة "الخوف"، ثم انتقلت إلى قراءة أعمال أخرى، مضيفة أن أكثر ما يجذبها الأعمال التي تجمع بين "الفن والتاريخ والأدب".
من جانبه، يقول هيثم حسن، صاحب معرض "دارك للنشر والتوزيع" المتخصص ببيع كتب وروايات الرعب، والمشارك من مصر في معرض بغداد الدولي للكتاب، إن الإقبال على أدب الرعب لا يقتصر على العراق.
ووفقاً حديث حسن، لوكالة شفق نيوز، فإن نسبة كبيرة من الشباب تتجه نحو كتب الرعب والجريمة، ليس في العراق فقط وإنما في مختلف دول العالم، ومنها مصر، موضحاً أن الشباب يرغبون دائماً بالأعمال التي تحتوي على الإثارة والأكشن، وأن كتب الرعب كانت موجودة منذ سنوات، لكن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في زيادة الإقبال عليها.
ويختم حديثه بالقول إن "الرعب نوع من أنواع الأدب ينبغي ألا نتجاهله، خصوصاً أنه يجعل الشباب يتمسكون بالكتاب".
الرعب من منظور علم النفس
وفي مقابل هذا الإقبال، تحذر الباحثة في علم النفس، شيماء مجيد بهيه، من التأثيرات النفسية والاجتماعية للمحتوى المرعب والعنيف، خصوصاً عندما يتعرض له الأطفال بصورة متكررة.
وتوضح بهيه لوكالة شفق نيوز، أن مشاهدة الأطفال لمقاطع الرعب والعنف لم تعد ظاهرة عابرة، مبينة أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بسبب انجذاب الطفل إلى الرعب، وإنما بما يتركه التعرض المتكرر لهذه المشاهد في نفسيته وإدراكه للعالم.
كما تضيف الطفل في المراحل العمرية المبكرة لا يزال يتعلم التمييز بين الخطر الحقيقي والمتخيل، وقد لا يمتلك النضج المعرفي الكافي لفصل الخيال عن الواقع بالشكل الذي يستطيع البالغ فعله، مؤكدة أن انجذاب الطفل إلى الرعب لا يعني بالضرورة وجود مشكلة نفسية، فقد يكون بدافع الفضول أو الرغبة في إثبات الشجاعة أمام الأصدقاء أو تقليد الآخرين أو البحث عن الإثارة، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول المشاهدة إلى عادة متكررة.
وتشير إلى أن المشاهد المرعبة قد تبقى في ذاكرة الطفل بعد انتهاء الفيلم أو إغلاق الهاتف، وقد تظهر آثارها في صورة الخوف من الظلام واضطرابات النوم والحساسية تجاه بعض الأصوات والحركات، مضيفة أن التكرار قد يؤدي إلى انخفاض الاستجابة الانفعالية تجاه مشاهد العنف والرعب، بحيث يصبح المحتوى الذي كان مخيفاً في البداية أكثر اعتيادية، ما قد يدفع بعض الأطفال إلى البحث عن محتوى أكثر شدة للحصول على مستوى الإثارة نفسه.
وتحذر بهيه، من دور خوارزميات المنصات الرقمية في زيادة تعرض الأطفال لهذا النوع من المحتوى، موضحة أن مشاهدة مقطع مرعب قد تؤدي إلى ظهور مقاطع مشابهة وربما أكثر إثارة وصدمة أمام الطفل.
وتتابع حديثها قائلة إن تأثير الرعب يختلف من طفل إلى آخر بحسب العمر والشخصية والحساسية الانفعالية وطبيعة المحتوى ومدة المشاهدة وتكرارها، فضلاً عن البيئة الأسرية وقدرة الطفل على التمييز بين الخيال والواقع، داعية الآباء إلى معرفة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم، وعدم الاكتفاء بمنعهم أو الصراخ عليهم، بل اعتماد الحوار ووضع حدود تتناسب مع أعمارهم.
كما نصحت بعدم تعريض الأطفال لمحتوى الرعب قبل النوم، ومراقبة أي تغيرات في النوم أو المزاج أو السلوك، محذرة من السخرية من مخاوف الطفل أو التقليل منها، مبينة أن الخوف بحد ذاته آلية طبيعية لحماية الإنسان، لكن تحوله إلى مادة ترفيه يومية لدى طفل لم يكتمل نضجه الانفعالي والمعرفي يستدعي انتباه الأسرة.
وختمت حديثها بالقول إن التربية الرقمية لا تقتصر على معرفة عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، وإنما تشمل معرفة "أي عالم يدخل إليه الطفل كل يوم من خلال ذلك الهاتف"، لأن "ليس كل ما يستطيع الطفل مشاهدته مناسباً لعمره".