شفق نيوز- بغداد
يدخل العراق مرحلة مالية غير مسبوقة، مع تزايد مؤشرات عدم إقرار الموازنة الاتحادية لعام 2026، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مزدوجة تتمثل بتراجع الإيرادات النفطية واستمرار الاضطرابات الإقليمية التي أثرت على حركة تصدير النفط، ما يضع الحكومة أمام تحدي إدارة الاقتصاد عبر قواعد الصرف المؤقتة للمرة الرابعة منذ عام 2003.
ويعتمد العراق بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية التي تشكل أكثر من 90% من الإيرادات العامة، فيما تواجه المالية العامة ضغوطاً متزايدة بعد تعثر إقرار جداول الإنفاق والإيرادات، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على المشاريع الاستثمارية والبنى التحتية وفرص العمل والنمو الاقتصادي.
إنفاق مؤقت
وفي هذا السياق، يقول المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن السياسة المالية خلال عام 2026 ما تزال تُدار وفق أحكام قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019، ولا سيما المادة 13 التي تسمح بالصرف بنسبة (1/12) شهرياً من نفقات السنة السابقة عند تأخر إقرار الموازنة.
ويوضح صالح لوكالة شفق نيوز، أن هذه الآلية "مكّنت من ضمان استمرارية الإنفاق العام، ولا سيما الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية، إضافة إلى تمويل النفقات الاستثمارية الأساسية والمشاريع المستمرة وفق نسب الإنجاز والسيولة المتاحة".
لكن صالح يقرّ بأن المالية العامة تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة التطورات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي انعكس على الإيرادات النفطية بوصفها المصدر الرئيس لتمويل الخزينة العامة.
ويشير إلى أن الحكومة تتجه حالياً نحو إعداد موازنة 2027 ضمن إطار إصلاحي يركز على كفاءة الإنفاق العام وترشيد النفقات التشغيلية وحماية البرامج الاجتماعية وإعطاء الأولوية للمشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، فضلاً عن تنويع الإيرادات وتعزيز التحول الرقمي والإصلاح الإداري.
ويأتي ذلك بعد نحو 16 شهراً من عدم إقرار جداول الموازنة، في وقت كانت فيه الموازنة الثلاثية للأعوام 2023 و2024 و2025 تمثل آخر إطار مالي متكامل للإنفاق الحكومي قبل انتهاء العمل بها فعلياً مع نهاية عام 2025.
مشاريع معلقة وتنمية مؤجلة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ضياء المحسن أن التأثير الأكبر لغياب الموازنة سيقع على الإنفاق الاستثماري، لأن الموازنة لا تمثل وثيقة مالية فحسب، بل أداة لإدارة النشاط الاقتصادي والاستثماري للدولة.
ويقول المحسن لوكالة شفق نيوز، إن غياب الموازنة يعني عملياً صعوبة إطلاق مشاريع تنموية جديدة أو التوسع في مشاريع البنى التحتية، بما يشمل الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه، فضلاً عن تأخر التعاقدات الحكومية.
ويضيف أن الوزارات والمحافظات ستفقد تدريجياً القدرة على التخطيط متوسط وطويل الأمد، فيما ستتراجع مساهمة الإنفاق الحكومي في تحفيز النشاط الاقتصادي، وهو ما ينعكس مباشرة على قطاعات المقاولات والصناعة والنقل والخدمات.
وتتزامن هذه المخاوف مع بيانات برلمانية سابقة تحدثت عن وجود أكثر من 4500 مشروع متلكئ في أنحاء العراق، بعضها متوقف منذ سنوات، في وقت يرى مختصون أن غياب الموازنة سيضيف مشاريع جديدة إلى قائمة التعثر الطويلة.
التوظيف تحت الضغط
ولا يقتصر تأثير غياب الموازنة على المشاريع الاستثمارية، بل يمتد إلى ملف التوظيف الحكومي الذي يمثل أحد أبرز منافذ استيعاب الخريجين في العراق.
ويؤكد المحسن أن فرص التعيين ستكون محدودة للغاية، مع احتمال حصر الاستثناءات بقطاعات محددة مثل الصحة والتعليم والأجهزة الأمنية، محذراً من أن ذلك سيؤدي إلى زيادة الضغوط الاجتماعية في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
من جهته، يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد، إن الصرف وفق قاعدة (1/12) يضمن استمرار الرواتب والخدمات الأساسية، لكنه لا يوفر المرونة اللازمة لإطلاق مشاريع جديدة أو توسيع الإنفاق الاستثماري.
ويضيف عيد لوكالة شفق نيوز، أن غياب الموازنة يفرض حالة من الضبابية المالية ويحد من قدرة الحكومة على تنفيذ خططها الاقتصادية بكفاءة، كما ينعكس سلباً على الشركات المتعاقدة مع الدولة والمستثمرين المحليين والأجانب بسبب غياب الرؤية الواضحة للمشاريع المستقبلية.
مخاطر تتراكم
ويرى خبراء أن غياب الموازنة يحمل مفارقة مالية، فمن جهة يؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستثماري، ما قد يخفض العجز المالي على المدى القصير، لكنه من جهة أخرى يضعف النمو الاقتصادي ويؤدي إلى تراجع الإيرادات غير النفطية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي.
ويشرح المحسن أن العجز قد يتحسن حسابياً نتيجة انخفاض النفقات الرأسمالية، لكن الاقتصاد سيدفع الثمن لاحقاً عبر انخفاض الطاقة الإنتاجية وتراجع فرص العمل واستمرار هيمنة الإنفاق التشغيلي على حساب الاستثمار المنتج.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المالية العامة تحديات إضافية مرتبطة بتراجع الصادرات النفطية واضطرابات الأسواق الإقليمية، ما يرفع احتمالات اللجوء إلى الاقتراض الداخلي لتمويل النفقات الأساسية.
ظرف اقتصادي صعب
أما الخبير المالي محمود داغر فيرى أن غياب موازنة 2026 يختلف عن الحالات السابقة التي شهدها العراق، موضحاً أن مجلس النواب لم يقر خلال عام 2025 جداول الإنفاق والإيرادات، وهي مسألة يصفها بأنها ذات أهمية فنية وقانونية كبيرة عند تطبيق قاعدة (1/12).
ويقول داغر لوكالة شفق نيوز، إن البلاد تمر حالياً بـ"أصعب ظرف اقتصادي"، مضيفاً أن الحديث عن التعيينات أو التوسع في الإنفاق يبدو صعباً في المرحلة الحالية، لأن الأولوية تتركز على تأمين الرواتب وبعض النفقات الحاكمة عبر تمويل العجز من خلال البنك المركزي.
ويشدد على أن التحدي الرئيس لم يعد تحقيق نمو اقتصادي سريع، بل الوصول إلى أعلى درجات الكفاءة في الإنفاق وضبط المصروفات لحماية الاحتياطيات الأجنبية التي تمثل خط الدفاع الأساسي عن استقرار الدينار العراقي وتمويل الاستيرادات.
الدين العام والاقتراض
وتزداد المخاوف من تأثير غياب الموازنة على مستويات الدين العام، خاصة مع استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية.
وفي هذا الجانب، يقول أحمد عيد، إن الحكومة قد تضطر إلى التوسع في أدوات التمويل الداخلي عبر الجبايات والضرائب والاقتراض من المصارف المحلية، محذراً من أن هذا المسار يرفع المخاطر المالية على المدى المتوسط إذا لم يترافق مع إصلاحات حقيقية لضبط الإنفاق وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
وتنسجم هذه المخاوف مع تحذيرات سابقة أطلقها خبراء اقتصاديون بشأن اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، في ظل ارتفاع الدين الداخلي خلال الأشهر الماضية واعتماد الحكومة على أدوات تمويل استثنائية لتغطية التزاماتها الأساسية.
إدارة الاقتصاد بلا موازنة
نظرياً، يقول الخبراء إن الحكومة تستطيع إدارة الدولة عبر قواعد الصرف المؤقتة، لكن بكفاءة محدودة.
ويؤكد المحسن أن هذه القواعد تسمح بدفع الرواتب واستمرار الخدمات العامة وتمويل بعض المشاريع الجارية، لكنها لا توفر إطاراً فعالاً لإدارة التنمية الاقتصادية، لأن القرارات الاستثمارية تصبح مقيدة والتخطيط الاقتصادي يفقد وضوحه، فيما يواجه المستثمرون والمحافظات حالة متزايدة من عدم اليقين.
ويلخص الأمر بالقول: "يمكن إدارة الدولة، لكن يصعب إدارة التنمية".
في المقابل، يدعو الخبير الاقتصادي صفوان قصي، إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة للمشاريع الاستثمارية خارج إطار الموازنة التقليدية.
ويقول قصي لوكالة شفق نيوز، إن استمرار الصرف وفق قاعدة (1/12) يقتصر عملياً على النفقات التشغيلية، ما يتطلب إيجاد آليات خاصة لتمويل المشاريع الاستثمارية عبر قوانين اقتراض أو شراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين.
ويقترح توسيع دور المحافظ الاستثمارية وهيئات الاستثمار من خلال عرض مشاريع البنى التحتية والخدمات على المستثمرين مقابل فرص استثمارية في القطاعات التجارية والسياحية والعقارية، بما يضمن استمرار تمويل المشاريع وعدم توقفها.